وقالوا: (نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ) فقيل لهم إِن كنتم عند أنْفسِكم صادقين
فِيما تدّعون فَتَمنوُا الموْت، فإنَ من كان لا يشك فِي أنه صائر إِلى الجنة، فالجنة عنده آثرُ من الدنيا، فإن كنتم صادقين فتَمنوُا الأثرة والفضل.
وللنبي - صلى الله عليه وسلم - وللمسلمين فِي هذه الآية أعظم حجة وأظهرُ آية وأدلة على الِإسلام، وعلى صحة تثبيت رسالة النبي - صلى الله عليه وسلم - لأنه قال لهم: تَمنَّوُا الموت.
وأعلمهم أنهم لن يتمنوه أبداً فَلَمْ يتمنَّه منهم واحد لأنهم لو تمنوه لماتُوا من
ساعتهم، فالدليل على علمهم بأن أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - حق أنهم كَفُوا عن التَمني ولم يُقْدِم واحد منهم عليه فيكون إقْدامُه دفعاَ لقوله: (ولَنْ يتَمنَوْه أبداً) .
أو يعيش بعد التمني فيكون قد ردَّ ما جاءَ به النبي - صلى الله عليه وسلم - فالحمد للَّهِ الذي أوضَح الحق وبيَّنَه، وقَمع الباطل وأزْهقه.
وقوله عزَّ وجلَّ: (وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ(95)
يعني - ما قدمت من كفرهِمْ بالنبي - صلى الله عليه وسلم - لأنِهم كفروا وهم يعلمون أنه حق وأنهم إنْ تَمَنَوْه ماتوا، ودليل ذلك إمْسَاكُهُمْ عَن تَمنَيه
وقوله عزَّ وجلَّ: (واللَّهُ عَلِيمٌ بالظَّالِمِينَ) .
اللَّه عزَّ وجلَّ عليم بالظالمين وغير الظالمين، وانًما الفائدة ههُنا إنَّه عليم
بمجازاتهم - ، وهذا جرى فِي كلام الناس المستعمل بينهم إذَا أقبل الرجل على رجل قد أتى إليه منكراً، قال أنا أعرفك، وأنا بصير بك، تأويله أنا أعلم ما أعاملك به وأستعمله معك.
فالمعنى إنه عليم بهم - وبصير بما يعملون، أي يجازيهم عليه بالقتل فِي الدنيا أو بالذلَّة والمسكنة وأداءِ الجِزية، ونصب (لن) كما تنصب (أن) وقد شرحْنا نصبها فيما مضى وذكرنا ما قاله النحويون فيه.