أحدهما: حديث أبي هريرة وجاء في البحر:"هو الطهور ماؤه الحل ميتته ما، فهذا مجمل يحكم للاحتمال الأول."
والثاني: حديث ابن عمر:"أحلت لنا ميتتان ودمان، فأما الميتتان فالجراد والنون فهذا مفسر يحكم للثاني."
فلما اعتل الحديثان وضعف دعائمهما لم يحلل من الميتة شيء، وإن كانت من صيد البحر وطعامه.
والميتة محرمة بجملتها في غير آية من القرآن إلا ما اجتمعت عليه الأمة من أنه داخل في طعام البحر وصيده، وهو الجراد والنون دون ما سواهما.
فنبيح جملتها بالاتفاق، والطافي وما انحسر عنه البحر ميتا بالدليل الذي قدمنا ذكره وشمول اسم الميتة المتفق على إباحته لهما.
ونقول: إن كل ما أمكن ذبحه من دواب البحر فأخذه صايد حيا وذبحه بما يقع عليه اسم ذبح من قطع الحلقوم والمريء فهو حل بالقرآن وما لم تكن ذكاته بقتل الحلقوم والمريء،، وإن أخذ حيا وقتل لم يؤكل، لأنه عقير، والعقير لاحق بالميتة بريا كان أو بحريا إلا دابة يتفق الجميع على أنها وإن احتملت الذكية لم تذكي فيسلم لإجماعهم.
قوله إخبارا عن عيسى، صلى الله عليه وسلم: (إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ)
حجة على الجهمية فكل ما ذكر في القرآن من النفس والسمع والبصر واليدين فهو لا محالة ذات لا عرض - يعرف كيفيته من نفسه - جل جلاله - ولا يبلغ أحد من خلقه كنهه ولا بلوغ حده كما يبلغونه من المخلوقين، إذا المخلوق محدث والخالق أزلي، والمخلوق متغير، والخالق باق على حال واحدة من الكمال الذي يعرفه من نفسه، والمخلوق ميت والله حي دائم. فهو وإن وافقه بالاسم في هذه الأشياء، فقد خالفه بما ذكرناه من المفارقة في المعنى ولو عقلوا المساكين لعلموا أن من ليس بمصنوع ولا محدث - مخلوق أزلي في جميع صفاته.
فكيف ما كانت تلك الصفات ليست بمشاركة، وأن صفات الخلق الموافقة له في الأسماء بعيدة منه. فكان لا يحملهم بالجهل على نفي صفات ذاته المذكورة في كتابه واحتيال التأويلات التي هي إنما التعطيل أقرب منها إلى التثبيت. انتهى انتهى {النكت/ للقصَّاب حـ 1 صـ 287 - 330}