فالجواب: أنه تثبيت للحجة على قومه، وإِكذاب لهم في ادّعائهم عليه أنه أمرهم بذلك، ولإِنه إِقرارٌ من عيسى بالعجز في قوله: (وَلا أَعْلَمُ ما فِي نَفْسِكَ) وبالعبودية في قوله: (أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ) .
قوله تعالى: (إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ)
قال الحسن، وأبو العالية: إِن تعذبهم، فبإقامتهم على كفرهم، وإِن تغفر لهم، فبتوبة كانت منهم.
وقال الزجاج: علم عيسى أن منهم من آمن، ومنهم من أقام
على الكفر، فقال في جملتهم: (إِنْ تُعَذِّبْهُمْ) أي: إِن تعذب من كفر منهم فإنهم عبادك، وأنت العادل فيهم، لأنك قد أوضحت لهم الحق، فكفروا، وإِن تغفر لهم، أي: وإِن تغفر لمن أقلع منهم، وآمَن، فذلك تفضّل منك، لأنه قد كان لك أن لا تغفر لهم بعد عظيم فريتهم، وأنت في مغفرتك لهم عزيز، لا يمتنع عليك ما تريد، حكيم في ذلك.
وقال ابن الأنباري: معنى الكلام: لا ينبغي لأحدٍ أن يعترض عليك، فإن عذبتهم، فلا اعتراض عليك، وإِن غفرت لهم - ولست فاعلاً إِذا ماتوا على الكفر - فلا اعتراض عليك.
وقال غيره: العفو لا ينقص عزّك، ولا يخرج عن حكمك.
وقد روى أبو ذر قال: قام رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قيام ليلةٍ بآيةٍ يردِّدها: (إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) .
قوله تعالى: (لِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ)
فيه تنبيهٌ على عبودية عيسى، وتحريضٌ على تعليق الآمال بالله وحده. انتهى انتهى {زاد المسير في علم التفسير} ...