«فَإِنْ قِيلَ» : إِذا كان المعنى بقوله تعالى: (لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً) نبينا محمداً مع سائر الأنبياء قبله، فمن المخاطب بقوله تعالى: (لِيَبْلُوَكُمْ) ؟
فالجواب: أنه خطاب لنبينا، والمراد به سائِر الأنبياء والأمم.
قال ابن جرير: والعرب من شأنها إِذا خاطبت غائباً، فأرادت الخبر عنه أن تغلِّب المخاطَب، فتخرج الخبر عنهما على وجه الخطاب.
قوله تعالى: (وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ)
«فَإِنْ قِيلَ» : فأين ضمان العصمة وقد شُجَّ جبينه، وكسِرت رَباعيته، وبولغ في أذاه؟
فعنه جوابان:
أحدهما: أنه عصمه من القتل والأسرِ وتلفِ الجملة، فأمّا عوارض الأذى، فلا تمنع عصمة الجملة.
والثاني: أن هذه الآية نزلت بعد ما جرى عليه ذلك، لأن «المائدة» من أواخر ما نزل.
قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ)
فيه قولان:
أحدهما: لا يهديهم إِلى الجنة.
والثاني: لا يعينهم على بلوغ غرضهم.
قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالصَّابِئُونَ)
فأما رفع «الصابئين» فذكر الزجاج عن البصريين، منهم الخليل، وسيبويه أن قوله: ( «والصابئون» محمول على التأخير، ومرفوع بالابتداء.
والمعنى: إِن الذين آمنوا والذين هادوا من آمَن بالله واليوم الآخر وعمل صالحاً فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون.
والصابئون والنصارى كذلك أيضاً، وأنشدوا:
وإِلاَّ فاعلموا أنَّا وأنتم ... بُغاةٌ ما بقينا في شقاق
المعنى: فاعلموا أنا بُغاة ما بقينا في شقاق، وأنتم أيضا كذلك.
قوله تعالى: (ذلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْباناً)
«فَإِنْ قِيلَ» : كيف مدحهم بأن منهم قسيسين ورهبانا وليس ذلك من أمرِ شريعتنا؟
فالجواب: أنه مدحهم بالتمسّك بدين عيسى حين استعملوا في أمر محمد ما أخذ عليهم في كتابهم، وقد كانت الرهبانية مستحسنة في دينهم.