وَالْجِهَةُ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى مُحَالٌ، وَقَدْ قَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْمُفَسِّرِينَ لِمَا وَجَبَ مِنْ حَمْلِ الْآيَةِ عَلَى الْمَجَازِ: مَعْنَاهُ يُحَارِبُونَ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ؛ وَعَبَّرَ بِنَفْسِهِ الْعَزِيزَةِ سُبْحَانَهُ عَنْ أَوْلِيَائِهِ إكْبَارًا لِإِذَايَتِهِمْ، كَمَا عَبَّرَ بِنَفْسِهِ عَنْ الْفُقَرَاءِ فِي قَوْله تَعَالَى: {مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا} [البقرة: 245] لُطْفًا بِهِمْ وَرَحْمَةً لَهُمْ، وَكَشْفًا لِلْغِطَاءِ عَنْهُ بِقَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: «عَبْدِي مَرِضْت فَلَمْ تَعُدْنِي، وَجُعْت فَلَمْ تُطْعِمْنِي، وَعَطِشْت فَلَمْ تَسْقِنِي، فَيَقُولُ: وَكَيْفَ ذَلِكَ وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ؟ فَيَقُولُ: مَرِضَ عَبْدِي فُلَانٌ، وَلَوْ عُدْتَهُ لَوَجَدْتَنِي عِنْدَهُ» . وَذَلِكَ كُلُّهُ عَلَى الْبَارِي سُبْحَانَهُ مُحَالٌ، وَلَكِنَّهُ كَنَّى بِذَلِكَ عَنْهُ تَشْرِيفًا لَهُ، كَذَلِكَ فِي مَسْأَلَتِنَا مِثْلُهُ. وَقَدْ قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: إنَّ الْحِرَابَةَ هِيَ الْكُفْرُ، وَهِيَ مَعْنًى صَحِيحٌ؛ لِأَنَّ الْكُفْرَ يَبْعَثُ عَلَى الْحَرْبِ؛ وَهَذَا مُبَيَّنٌ فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ.
(وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا ...(38)
إنْ قِيلَ: كَيْفَ قَالَ: فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا، وَإِنَّمَا هُمَا يَمِينَانِ؟
قُلْت: لَمَّا تَوَجَّهَ هَذَا السُّؤَالُ وَسَمِعَهُ النَّاسُ لَمْ يَحُلْ أَحَدٌ مِنْهُمْ بِطَائِلٍ مِنْ فَهْمِهِ.
أَمَّا أَهْلُ اللُّغَةِ فَتَقَبَّلُوهُ، وَتَكَلَّمُوا عَلَيْهِ، وَتَابَعَهُمْ الْفُقَهَاءُ عَلَى مَا ذَكَرُوهُ حُسْنَ ظَنٍّ بِهِمْ مِنْ غَيْرِ تَحْقِيقٍ لِكَلَامِهِمْ، وَذَكَرُوا فِي ذَلِكَ خَمْسَةَ أَوْجُهٍ:
الْوَجْهُ الْأَوَّلُ: أَنَّ أَكْثَرَ مَا فِي الْإِنْسَانِ مِنْ الْأَعْضَاءِ اثْنَانِ، فَحُمِلَ الْأَقَلُّ عَلَى الْأَكْثَرِ؛ أَلَا تَرَى أَنَّك تَقُولُ: بُطُونُهُمَا وَعُيُونُهُمَا، وَهُمَا اثْنَانِ؛ فَجَعَلَ ذَلِكَ مِثْلَهُ.