ولم يكتف الشيطان بذلك بل دلّهم على أصنام قوم نوح التي كانت مطمورة في رمال ساحل جدّة فاستخرجها مؤسس الوثنية في الجزيرة العربية عمرو بن لحي الخزاعي وفرقها على العرب فعظمت وعبدت فيهم [1] .
وبذلك انطمست ملة إبراهيم وغاب التوحيد وحل الشرك محله، حتى صارت الدعوة إلى إخلاص العبادة لله تعالى من العجائب لديهم حينما صدع بها النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالوا -كما حكاه القرآن: {أجعل الآلهة إلهًا واحدًا إن هذا لشيء عجاب، وانطلق الملأ منهم أن امشوا واصبروا على آلهتكم إن هذا لشيء يراد، ما سمعنا بهذا في الملة الآخرة إن هذا إلاّ اختلاق} [2] .
ذلك هو الجوّ المظلم الذي وصلت إليه الأمة العربية قبل البعثة وهو الغالب عليها، ولكن بقي بصيص ضئيل من النور الخافت الذي نجا من أطباق الظلمة، ولكنه لم يهدِ أصحابه صراطًا مستقيمًا، ولم يسلك بهم سبيلًا قويمًا [3] ، وقد تمثّل ذلك في بقاء مجموعة صغيرة جدًا متفرقة في أنحاء الجزيرة العربية، وربما كان بمكة منهم نصيب أوفر، أولئك هم من سُمّوا بالحنفاء نسبة إلى الحنيفية ملة إبراهيم، وتمثل تمسكهم بالحنيفية في رفضهم للوثنية من حيث عبادة الأوثان وتقريب القرابين لها، واعتقاد نفعها وضرّها وشفاعتها كما هو شأن الوثنيين، هداهم إلى ذلك فطرتهم التي مَنَّ الله عليهم ببقائها صافية نقية من كَدُورات الوثنية، غير أنهم لم يهتدوا إلى مراد الله تعالى وما يجب له من العبادة، حتى لقد نقل أهل السير عن زيد بن عمرو بن نقيل قوله: (اللهم إني لو أعلم أيّ الوجوه إليك أحب عبدتك به
(1) أصله في البخاري كتاب التفسير سورة نوح باب"ود ًا ولا سواعًا ولايغوث ويعوق"وانظر: ابن هشام (1/ 78 - 80) .
(2) سورة ص (5 - 7) .
(3) لأن الهداية التامة لا تكون إلا بالوحي لا غير.