هذا ما فعله أهل العلم وأولو الأمر عندما اضطروا إلى ذلك سترًا للقبر سترًا كاملًا، فلا يُنظر، ولا يتمكن أحد من الصلاة إليه، وما ذاك إلا أنهم فهموا الأحاديث الناهية عن الصلاة على القبور وإليها، وعن اتخاذ القبور مساجد، وفهموا العلة في ذلك النهي، فعملوا على إزالة تلك العلة وفي هذا أبلغ رد على شبهة القبوريين الذين يحتجون بأن قبر النبي - صلى الله عليه وسلم - في مسجده [1] .
كما هو الشأن في سائر شرائع الإسلام أنها تكون في غاية من الاعتدال والسماحة، وصادرة عن حكمة بالغة تضمن لمن عمل بها على بصيرة: الفوز، والنجاح، والسعادة، دون أن يتعرض بسببها لأي نوع من أنواع الضلال والشقاء في الدنيا والآخرة.
كذلك كانت شرعية زيارة القبور في الإسلام حينما كان الناس حدثاء عهد بالكفر والشرك وعبادة غير الله نهاهم الرسول - صلى الله عليه وسلم - عن الزيارة، حتى يكون هناك برزخ فاصل بين العهدين عهد الشرك وعهد التوحيد، وعهد الجاهلية وعهد الإسلام حتى يذهب ما في النفوس من الالتفات إلى الأرض وما عليها مما يقدِّسه الناس، وعهد السموّ الروحي والصفاء القلبي والذهني الذي لا يبقى معه التفات إلى غير الله - عز وجل -.
وفعلًا حينما حصل ذلك؛ خاطب النبي - صلى الله عليه وسلم - أمته قائلًا: (( كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها ) ) [2] (( فإنها تذكر الموت ) )،وفي رواية: (( فإن في زيارتها تذكرة ) )، وفي أخرى: (( فإنها
(1) انظر ذلك وأضف إليه ما سبق نقله عن النووي وابن حجر من شرحهما لحديث موسى عليه السلام حيث صرحا بأنه قصد إخفاء قبره خشية الفتنة على قومه، ثم انظر إلى معاكسة القبورية لذلك حيث يقول أحد مؤلفيهم المعاصرين: ( ... ومع ذلك فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - في حادثة الإسراء والمعراج قد عرفهم ووصف لهم قبر موسى - عليه السلام - وقال:(( لو كنت هناك لأريتكم إياه ) ).هو بنفسة عليه الصلاة والسلام يتولى تعريفهم بهذا الموطن المبارك من أجل ماذا؟!! من أجل إقامة الصلات والروابط بين المؤمنين وأنبيائهم وصلحائهم وأوليائهم بالتأدب معهم وسلوك طريقتهم وزيارتهم في حياتهم وبعد مماتهم، وهومقصد سامي سعت إليه شريعتنا له أثر بيِّن على القلوب، فالمرء يوم القيامة مع من أحب، ولاينبغي أن يصرف ولاؤنا إلى غير هؤلاء القوم الذين اصطفاهم بارئهم، ومن بين خلقه اجتباهم).انظر الدر المنضود في أخبار قبر وزيارة النبي هود، لفهمي بن علي بن عبيدون التريمي الحضرمي، دار الفقيه للنشر والتوزيع الطبعة الأولى 1419 هـ.
(2) رواه مسلم في كتاب الجنائز باب استئذان النبي - صلى الله عليه وسلم - ربه في زيارة قبر أمه من حديث أبي هريرة وانظرلشرح النووي (7/ 46) .