فهرس الكتاب

الصفحة 63 من 528

رجلًا يجيء إلى فرجة كانت عند قبر النبي - صلى الله عليه وسلم - فيدخل فيها فنهاه، وقال: ألا أحدثك حديثًا سمعته من أبي عن جدي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: (( لا تتخذوا قبري عيدًا ولا بيوتكم قبورًا وصلوا علي فإن تسليمكم ليبلغني أين كنتم ) ) [1] . فأنت ترى أن الرجل كان يدخل من فرجة، إذًا هناك جدار محيط بالقبر مغلق عليه غير أن فرجة فتحت بأيّ سبب من الأسباب استغلَّها ذلك الرجل، فصار يدخل إلى عند القبر فيسلِّم على النبي - صلى الله عليه وسلم -، فنهاه ذلك الإمام العظيم علي بن الحسين زين العابدين -رحمه الله-، والجدار الذي أشرتُ اليه هو جدار حجرة عائشة رضي الله عنها التي سبقَ أن أشرتُ إليها فيما مضى وهذا -رواية سقوط جدار عائشة- من أوضح الأدلة على ما ذكرت من حجب القبر عن الناس وكذلك -رواية زين العابدين- على موقف علماء السلف ممن يحاول أن يصل إلى القبر ظانًا أن في ذلك قُرْبى وفضيلة، والله أعلم.

المسألة الثانية - تعاملهم مع قبر النبي دانيال عليه السلام[2]:

لقد تعلَّم الصحابة من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن سبب حدوث الشرك في العالم هو الغلوّ في الصالحين، وفهموا من نهيه المكثف آخر حياته، وفي مرض موته، أن قبور الأنبياء والصالحين لا يجوز تعظيمها، وأن اليهود والنصارى استحقوا اللعن حينما بنوا المساجد على قبورهم، وصوَّروا فيها صورهم، لذلك تعاملوا مع قبره بالشكل الذي سبق في المسألة الأولى من هذا المطلب.

وعندما انسابت جيوش المسلمين في أرجاء الأرض فاتحةً -تقتلع الشرك من النفوس، وتقتلع وسائله ومظاهره من على وجه الأرض، ووصل جيش أبي موسى الأشعري مدينة تَستُر [3] -وجدوا رجلًا يعظِّمه أهل البلد، ويستنزلون به الغيث، ويتوسلون به إلى ربهم، ويذكرون أنه النبي دانيال أحد أنبياء بني إسرائيل الذين أُتيَ بهم إلى هذه الجهة أيام بختنصر، فخشي أن يبقى بين الناس فيفتتنون به، ويغلُون فيه، فعمل على إخفائه، وإبعاده عن متناول الناس، وطمس قبره؛ حتى لا يعرفه أحد أبدًا، ولم يشفع كونه نبيًا أو صالحًا أن يبرزه أو يميِّز قبره.

(1) رواه أحمد في المسند (2/ 367) ،وأبو داودفي كتاب المناسك باب زيارة القبور (1/ 622) برقم (2042) ، وأبو يعلى الموصلي في مسنده (1/ 361) رقم (469) ، وقال المحقق عبدالقادر الأرناؤوط في تخريج كتاب التوحيد للشيخ محمد بن عبد الوهاب طبع دار السلام الرياض 1413 هـ (ص 90) : وهوحديث صحيح بشواهده وطرقه حسنة 0

(2) يقال إنه أحد أنبياء بني إسرائيل الذين أسرهم بختنصر وسار بهم إلى بابل وأنه مات ببلد السوس، انظر البداية والنهاية ... (2/ 325) وانظر خبره (2/ 40 - 42) 0

(3) تَستُر: هي أعظم مدينة بخوزستان من بلاد العجم. انظر معجم البلدان لياقوت الحموي (2/ 29) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت