وخامسها - أنهم اعتقدوا أن الإله نور عظيم وأن الملائكة أنوار فوضعوا على صورة الإله الأكبر الصنم الأكبر، وعلى صورة الملائكة صورًا أخرى.
وسادسها- لعل القوم حلولية، وجوزوا حلول الإله في بعض الأجسام العالية الشريفة) [1] .
وما ذكره الرازي أمر منطقي إذ لا يُعقَل أن الإنسان بسمعه وبصره وعقله، ينحتُ صنمًا أو يصنع وثنًا بيده - وهو يعلم مادته ومن أين أُخذ- ثم يزعم أن هذا الصنم أو الوثن هو الذي يخلق ويرزق، وهو الذي ينفع ويضر، هذا لا يكون أبدًا. فلم يبقَ إلا ما ذكره الرازي من أنهم يرون أن هذه التماثيل والأصنام هي رموز لمخلوقات معظَّمة تستحق العبادة لقربها من الله، ومنزلتها عنده كما يفعل القبورية بقبور معظميهم. وبهذا تعلم أن هذه الظاهرة إنما هي جسد يحتضن الشرك الذي هو لها بمنزلة الروح.
إذا كان منهج القبورية هو الغلو في أرباب القبور الذين يُظن أنهم أولياء لله ومقربون لديه، فإن ذلك المنهج هو نفسه أصل الوثنية وعبادة الأصنام كما جاء في البخاري في كتاب (التفسير) عند قوله تعالى: {وقالوا لا تذرُن آلهتكم ولا تذرن ودًا ولا سواعًا ولا يغوث ويعوق ونسرًا} [2] قال ابن عباس رضي الله عنهما: (هذه أسماء رجال صالحين من قوم نوح، فلما هلكوا أوحى الشيطان الى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون أنصابًا وسموها بأسمائهم، ففعلوا فلم تُعبد حتى إذا هلك أولئك ونُسي العلم عُبدت) [3] . إذًا أصنام قوم نوح كانت رموزًا لرجال صالحين حمل الغلو أتباعهم على تقديسهم وتعظيمهم وتطور الأمر حتى عبدوهم.
قال الحافظ ابن حجر في الفتح: (وقصة الصالحين كانت مبدأ عبادة قوم نوح هذه الأصنام ثم تبعهم من بعدهم على ذلك) [4] .
المطلب الرابع: كثرة النصوص الناهية عن تعظيم القبور والعلة في ذلك:
(1) التفسير الكبير المسمى مفاتيح الغيب للإمام فخر الدين الرازي (17/ 59 - 60) طبع دار الكتب العلمية طهران الطبعة الثانية.
(2) نوح (23) .
(3) البخاري مع الفتح (8/ 667) كتاب التفسير، باب {ودًا ولاسواعًا ولايغوث ويعوق ونسرًا} .
(4) الفتح (8/ 669) 0