فهرس الكتاب

الصفحة 119 من 528

المطلب الثالث: الرد على ما استدلوا به من الشبهات على وجود مبان على القبور في تلك القرون:

الشبهة الأولى - قولهم بأن الصحابة بنوا مسجدًا على القبر في حياته - صلى الله عليه وسلم - فأقرهم على ذلك، وهم يريدون بذلك ما ذكره ابن عبد البر في الاستيعاب في ترجمة أبي بصير - رضي الله عنه -،حيث ذكر قصة مجيئه إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد صلح الحديبية، وإرسال المشركين يطلبون إرجاعه إليهم وكيف سلَّمه إليهم، ثم قتل أبو بصير - رضي الله عنه - أحد الرسولين ثم خرج إلى سيف البحر ومكث هناك، ولحق به أبو جندل بن سهيل بن عمرو وجماعة من المسلمين، وأنهم شكَّلوا عصابة لقطع الطريق على المشركين والاستيلاء على قوافلهم، حتى أرسل المشركون للنبي - صلى الله عليه وسلم - يرجونه قبولهم لديه فأرسل النبي - صلى الله عليه وسلم - إليهم كتابًا بذلك، فجاء الكتاب وأبو بصير - رضي الله عنه - في حال الموت، فمات وكتاب رسول - صلى الله عليه وسلم - على صدره فصلى عليه أبو جندل.

والقصة إلى هنا- في البخاري وغيره-مُسنَدة، غير أن فيما ساقه ابن عبد البر زيادة (( وبنى على قبره مسجدًا ) ) [1] ،وهذا موضع الشاهد الذي احتجَّ به القبوريون كما فعل الغماري في رسالته إحياء المقبور حيث قال: (الدليل الثامن: أن الصحابة بنوا مسجدًا على القبر في حياته - صلى الله عليه وسلم -) [2] ثم ساق القصة عن الاستيعاب وفيها تلك الزيادة.

قلت: نعم ذكر ذلك ابن عبد البر في الاستيعاب ولكنه ساق القصة من طريق عبد الرزاق عن معمر -قال الزهري في حديثه: غير أن عبد الرزاق لم يذكر موضع الشاهد وإنما وقف عند قوله: (فأرسلت قريش إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - تناشده الله والرحم، إلاّ أرسل إليهم فمن أتاه فهو آمن فأرسل النبي - صلى الله عليه وسلم - إليهم) [3] ، وإلى هنا ساق القصة ابن عبد البر ثم قال: (وذكر موسى بن عقبة هذا الخبر في أبي بصير بأتم ألفاظٍ وأكمل سياقه) ، ثم ذكر القصة وفيها موضع الشاهد (فقدم كتاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على أبي جندل وأبو بصير يموت فمات وكتاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بيده يقرأه فدفنه أبو جندل مكانه وصلى عليه وبنى على قبره مسجدًا) [4] .

فأنت ترى أن ابن عبد البر فرَّق بين رواية عبد الرزاق الموصولة الصحيحة وبين هذه الرواية التي نقلها عن موسى بن عقبة، وقد دمجها الغماري تدليسًا

(1) الاستيعاب في أسماء الأصحاب (4/ 21 - 23) ، للحافظ ابن عبد البر، بهامش الإصابة لابن حجر طبع (دار الكتاب العربي) ، بدون تاريخ.

(2) إحياء المقبور من أدلة جواز بناء المساجد على القبور (38) 0

(3) عبد الرزاق في مصنفه (5/ 337 - 342) 0

(4) الاستيعاب (4/ 22 - 23) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت