وكان سبب انحرافهم ووقوعهم في الشرك هو الغلو في الصالحين كما سيأتي في قصة عبادتهم للَّات أو للأماكن المقدسة كما في قصة نقلهم حجارة الحرم والطواف بها حيثما حلّوا.
كما هو الشأن -بعد كل رسالة من الرسالات السابقة- تأتي بعدها فترة ينقص العلم ويثبت الجهل، ويجد الشيطان سبيلًا إلى نفوس الناس وعقولهم، فينحرف بهم عن الصراط المستقيم، وقد مرّ معنا أن دين إبراهيم ظل قائمًا حتى ظهور عمرو بن لحي الخزاعي الذي كان أول من غيّره وحرَف العرب عنه إلى عبادة الأصنام، وكان سبب وقوعهم في الوثنية هو الغلو في الصالحين منهم وتعظيم قبورهم حتى اتخذوها أصنامًا، قال ابن عباس في قوله تعالى {اللات والعزى} [1] : (كان اللات رجلًا يلت السويق للحاج) [2] .
والذي أمرهم بذلك هو عمرو بن لحي.
قال الحافظ ابن حجر في شرح هذا الحديث -رادًا على من زعم أن اللات هو عمرو بن لحي: (والصحيح أن اللات غير عمرو بن لحي، فقد أخرج الفاكهي من وجه آخر عن ابن عباس أن اللات لما مات قال لهم عمرو بن لحي: إنه لم يمت ولكنه دخل الصخرة فعبدوها وبنوا عليها بيتًا، وتقدم في مناقب قريش أن عمرو بن لحي هو الذي حمل العرب على عبادة الأصنام، وهو يؤيد هذه الرواية) [3] .
فهذا وجه من أوجه القبورية المؤدية إلى الوثنية عند العرب، وهناك وجه آخر وهو تعظيم آثار الصالحين ومنازلهم وبيوت عباداتهم تعظيمًا زائدًا على الحد المشروع.
(1) النجم (19) 0
(2) البخاري كتاب التفسير باب (أفرأيتم اللات والعزى) (8/ 611) مع الفتح.
(3) الفتح (8/ 612) .