قلت: هذه أقل درجات الإيمان فما أعلاها يا ترى؟.
المثال الرابع: ما ذكره صاحب تذكير الناس، قال: (وقال سيدي أحمد: وقد أمدّ الله الوقت للشيخ عمر أبا مخرمة من بعد العصر إلى المغرب ثلاثين ألف سنة، فاستشكل بعضهم هذا، فقال له سيدي: أما في بالك حديث يوم القيامة طوله خمسون ألف سنة، وأنه يكون على المؤمن كأخف صلاة صلاها في الدنيا وهذا منه، فقيل له: وكيف صارت تلك المدة ليالي أو أيامًا أو غير ذلك، فقال: هذا علم تصديق وإيمان، ما هو علم ها توه أشوفه) [1] . فقوله: (هذا علم تصديق وإيمان ما هو علم هاتوه أشوفه) ، واضح جدًا أنه ليس من علم الدليل والحجة التي يصح أن يطالب بها السامع، وإنما هو علم تصديق وإيمان لا اعتراض وانتقاد، وقوله: (هاتوه أشوفه) يعني أرني إياه حتى أنظر إليه.
المثال الخامس: من قواعدهم المسلّمة وكلماتهم الدارجة المنتشرة، قول عبدالله بن علوي الحداد:
وسلِّم لأهل الله في كل مُشْكِلٍ لديك، لديهم واضحٌ بالأدلةِ [2]
وقول الآخر:
وإذا لم تر الهلال فسلِّم لأناسٍ رأوه بالأبصار
هذه خمسة أمثلة تدل كلها على ما عنونا له في هذا المطلب، وهو تربية الأمة على الرضوخ والاستسلام وإلغاء العقول وتجاوز القواعد والأصول الشرعية؛ لأجل أن يمشي ما يريده القوم، ويسلم لهم ما يأتون من أقوال وأفعال دون حاجة إلى أدلة شرعية أو عقلية، وقد اقتصرتُ على هذه الأمثلة الخمسة مع وجود الكثير من الأمثلة في تراث صوفية اليمن، أما صوفية البلاد الأخرى فلا أخال قواعدها في هذا الموضوع خافية على المتابع لتواريخهم.
المطلب الثاني: استخدام الخرافة [3] والشعوذة [4] والاستعانة بالجن لإرهاب المخالف:
(1) تذكير الناس ص (125) .
(2) الدر المنظوم لذوي العقول والفهوم لعبدالله بن علوي الحداد ص (41) ،طبع مطبعة المدني بالقاهرة سنة (1388 هـ - 1968 م)
(3) تقدم تعريف الخرافة في الباب الثاني ص (364)
(4) الشعوذة: خفة في اليد وأخذ كالسحر، يرى الشيء بغير ما عليه أصله في رأي العين، وهو مُشعْوِذ، ومشعوَذ. انظر: القاموس المحيط ص (427) .