العلم الثاني
من أعلام مواجهة القبورية في اليمن الأعلى
الإمام شيخ الإسلام محمد بن علي الشوكاني
هو الإمام شيخ الإسلام أحد مشاهير أعلام اليمن ومجددي الدين فيه، وأحد رواد النهضة الحديثة والصحوة المباركة ورموز السلفيين في العصور المتأخرة، محمد بن علي بن محمد الشوكاني ثم الصنعاني، ترجم لنفسه، وسلسل نسبه إلى آدم - عليه السلام - [1] ، ولد - رحمه الله - في"هجرة شوكان"وسط نهار يوم الاثنين الثامن والعشرين من شهر ذي القعدة سنة (1173 هـ) ، ونشأ بصنعاء في كنف والده الذي يعد من كبار علماء صنعاء في وقته، وقد أقبل على طلب العلم بشكل منقطع النظير، أعانه على ذلك الحال الميسور لأسرته، إذ وفَّر له التفرغ للطلب، وعدم الانشغال عنه بطلب المعاش، كما كان من أسباب نبوغه وترقيه في الطلب، وسرعة البلوغ إلى المطلب والأرب، النفس الأبية، والهمة العلية، وتشجيع الأب، ودفعٌ به إلى الارتقاء وجود مجموعة من أكابر العلماء، من طلاب الإمام ابن الأمير والمتأثرين به، وهكذا واصل مشوار التعليم، ثم صار يعيد الدروس لزملائه وأقرانه، ثم اشتهر بين أساتذته وأشياخه قبل بلوغ العشرين من عمره [2] ،وما إن بلغ العشرين حتى أصبح مفتيًا ترد إليه الفتاوى من جهات مختلفة من اليمن، وكان يفتي بدون أجر، وذلك أمر مستغرب في زمنه وفي وطنه.
ولقد امتحنه الله تعالى بامتحان عظيم، وهو تولي القضاء، بل قضاء الأقضية أو بالتعبير العصري"رئاسة القضاء"، فنجح في الامتحان ونجى من الافتتان، وأجمع مترجموه على نزاهته، وحسن سيرته فيه، بل لم يعد رئيسًا للقضاة فحسب، وإنما من أقرب المقربين إلى أئمة عصره الذين عايش حكمهم، وهم: الإمام المنصور علي بن المهدي العباس (1189 - 1224 هـ) ،وابنه الإمام المتوكل على الله أحمد (1224 - 1231 هـ) ، وحفيده الإمام المهدي عبدالله (1231 - 1251 هـ) ، ولقد كان لقربه منهم أثر كبير في كثير من الإصلاحات، ومنها حمله على الاستجابة لطلب الإمام سعود بن عبدالعزيز بن محمد بن سعود من الإمام المهدي هدم المشاهد والقباب المقامة على القبور في صنعاء ونواحيها، فصوّب الإمام الشوكاني ومن معه من العلماء ذلك، وحثوا الإمام عليه، فوقع الهدم لتلك المشاهد، كما سيأتي في مطلب الجهود العملية لمواجهة القبورية.
(1) البدر الطالع (1/ 478 - 480) .
(2) انظر ترجمته لنفسه: في البدر الطالع (1/ 214 - 225) .