الحالة، وذلك فيما رواه مسلم من حديث عياض بن حمار المجاشعي - رضي الله عنه - قال: (( ألا إن ربي أمرني أن أعلمكم ما جهلتم مما علمني يومي هذا، كل مال نحلته عبدًا حلال، وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم وحرمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانًا، وإن الله نظر إلى أهل الأرض فمقتهم عربهم وعجمهم إلاّ بقايا من أهل الكتاب ) ) [1] ، هكذا كانت الدنيا بما فيها جزيرة العرب عند مبعث النبي - صلى الله عليه وسلم -، فكيف انجابت تلك الظلمة، وزالت تلك الجاهلية؟ هذا ما سنعرفه في المطلب الثاني.
لقد بعث الله - سبحانه وتعالى - رسوله - صلى الله عليه وسلم - بما بعث به إخوانه المرسلين من قبله؛ لإزالة الشرك، ونشر التوحيد، وإخراج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد سبحانه، كما قال تعالى: {ولقد بعثنا في كل أمة رسولًا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت} [2] ، فشمرّ الرسول - صلى الله عليه وسلم - في الدعوة إلى الله سرًا وجهرًا وليلًا ونهارًا، وكان أول ما أعلنه من دعوته حين أمره الله تعالى أن يصدع بها أن قال: (( يا أيها الناس قولوا لا إله إلاّ الله تفلحوا ) ) [3] ،فاستجاب له السابقون الأولون، وحاربه بقية قومه واستهجنوا ما جاء به واستنكروه، وقالوا ما حكاه الله عنهم: {وعجبوا أن جاءهم منذرٌ منهم وقال الكافرون هذا ساحر كذاّب 0 أجعل الآلهة إلهًا واحدًا إن هذا لشيء عجاب. وانطلق الملأ منهم أن امشوا واصبروا على آلهتكم إن هذا لشيء يراد. ما سمعنا بهذا في المِلَّةِ الآخرة إن هذا إلا اختلاق} [4] .
لكن الله أبى إلاّ أن يتم نوره ويعليَ كلمته ولوكره الكافرون، ومضى - صلى الله عليه وسلم - في دعوته وتربى على ذلك أصحابه، وانطلقوا دعاةً إلى ذلك، فاتسعت دائرة الحق وانتشر نور الإسلام بعد جهد كبير وزمن غير قصير؛ حمل عليه العناية الفائقة
(1) صحيح مسلم (4/ 2197) ،كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب الصفات التي يعرف بها في الدنيا أهل الجنة و أهل النار.
(2) النحل (36) .
(3) المسند (3/ 492، 4/ 341) ، و الطبراني في الكبير (4582) من طريق عبدالرحمن بن أبي الزناد، وله شاهد من طريق طارق ... ابن عبدالله المحاربي أخرجه ا بن حبان (6562) كتاب التاريخ، باب كتب النبي - صلى الله عليه وسلم - ذكر مقاساة المصطفى - صلى الله عليه وسلم - ما كان يقاسي من قومه في إظهار الإسلام صحيح ابن حبان بترتيب ابن بلبان طبع مؤسسة الرسالة بيروت الطبعة الثانية (1314 هـ-1993 م) بتحقيق شعيب الأرناؤوط. وصححه الحاكم (2/ 612) كتاب التاريخ، ذكر أخبار سيد المرسلين - صلى الله عليه وسلم -، ووافقه الذهبي.
(4) 2 سورة ص (4 - 7) .