التي أولاها رسول - صلى الله عليه وسلم - للتربية وغرس العقيدة في النفوس حتى تمكنت منها، ثم توالت المحن وصب العذاب على أصحابه ليشتدّ عودهم وتصقل نفوسهم، حتى إذا تهيئوا لإقامة دولة التوحيد؛ هيأ لهم الملاذ الآمن والقاعدة الصلبة التي تبنى عليها تلك الدولة، وذلك بإسلام الأوس والخزرج ومبايعتهم للنبي - صلى الله عليه وسلم -، ثم هجرته إليهم، وحينما استقر في المدينة وثبّت دعائم الدولة انكفأ يدعو إلى الله بأسلوب آخر، بالقوة والجهاد لمن يعترض سبيل تلك الدعوة كما أمره الله تعالى بذلك حيث قال: {وقاتلوهم حتى لا تكون فتةٌ ويكون الدين كله لله فإن انتهوا فإنَّ الله بما يعملون بصير} [1] ، وكما صرَّح هو - صلى الله عليه وسلم - عن حقيقة دعوته ووسيلته لتحقيقها حيث قال: (( بعثت بين يدي الساعة بالسيف حتى يعبد الله وحده لا شريك له وجُعلَ رزقي تحت ظل رمحي وجُعلَت الذلة والصغار على من خالف أمري ومن تشبَّه بقوم فهو منهم ) ) [2] .
وتوالت الحروب بينه وبين الكافرين مع استمراره في الدعوة والتربية، حتى أذن الله بالفتح ففتحت مكة، وعلى أثر ذلك دخل الناس في دين الله أفواجًا كما قال تعالى: {إذا جاء نصر الله والفتح. ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجًا. فسبِّح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابًا} [3] .
وعند ذلك علت راية التوحيد خفاقة على ربوع الجزيرة العربية، وكانت الدولة والكلمة للإسلام، وزال الشرك وقضي عليه، حتى بعَث النبي - صلى الله عليه وسلم - في السنة التاسعة من الهجرة عليًا - رضي الله عنه - بهذا الإعلان النهائي المشعر بأنه لا مكان للشرك في هذه الجزيرة، ولاحق لمشرك أن يمارس شركه فيها، فكان هذا الإعلان في موسم الحج ليسمعه كل من شهد الموسم ويعود لإبلاغه إلى قومه: براءةٌ من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين. فسيحوا في الأرض أربعة أشهر واعلموا أنكم غيرُ معجزي الله وأن الله مخزي الكافرين. وأذان من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر أن الله بريء من المشركين ورسوله، فإن تبتم فهو خير لكم وإن توليتم فاعلموا أنكم غير معجزي الله وبشر الذين
(1) الأنفال (39)
(2) تقدَّم تخريجه في الباب التمهيدي ص (4) .
(3) سورة النصر.