فهرس الكتاب

الصفحة 64 من 528

قال الإمام ابن كثير-رحمه الله تعالى- في تاريخه: (وقال يونس بن بكيرعن محمدبن إسحاق عن خالد بن دينار حدثنا أبو العالية قال: لما افتتحنا تَستُر وجدنا في بيت الهرمزان سريرًا عليه رجل ميت عند رأسه مصحف، فأخذنا المصحف فحملناه الى عمر بن الخطاب، فدعا له كعبًا فنسخه بالعربية، قال: فأنا أول رجل من العرب قرأه، قرأته مثلما أقرأ القرآن هذا، فقلت: لأبي العالية ما كان فيه؟ قال: سيركم وأمركم ولحون كلامكم وما هو كائن بعد، قلت: فما صنعتم بالرجل؟ قال: حفرنا بالنهار ثلاثة عشر قبرًا متفرقة، فلما كان الليل دفناه وسوَّينا القبور كلها، لتعميته على الناس فلا ينبشونه قلت: فما يرجون منه؟ قال: كانت السماء اذا حبست عنهم برزوا بسريره فيمطرون، قلت: مَن كنتم تظنون الرجل؟ قال: رجل يقال له دانيال، قلت: منذ كم وجدتموه قد مات؟ قال: منذ ثلاثمائة سنة، قلت ما تغير منه شيء؟ قال: لا، إلا شعرات من قفاه، إن لحوم الأنبياء لا تبليها الأرض، ولا تأكلها السباع. وهذا إسناد صحيح إلى أبي العالية) [1] .

قلت: قد يطعن البعض في هذه الرواية لقوله فيها: (منذ ثلاثمائة سنة) إذ من المعلوم أن آخر رسل وأنبياء بني إسرائيل هو عيسى عليه السلام، وأنه لا نبي بينه وبين نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم -،وأنه من المتفق عليه أن ما بين عيسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام أكثر من ثلاثمائة سنة بكثي ر، وكان ابن كثير قد أجاب عن هذا الإشكال فقال: (ولكن إن كان تاريخ وفاته محفوظًا من ثلاثمائة سنة فليس بنبي بل هو رجل صالح لأن عيسى بن مريم ليس بينه وبين رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نبي بنص الحديث الذي في البخاري [2] والفترة التي كانت بينهما أربعمائة سنة، وقيل ستمائة، وقيل ستمائة وعشرون سنة، وقد يكون تاريخ وفاته من ثمانمائة سنة، وهو قريب من وقت دانيال، إن كان كونه دانيال هو المطابق لما في نفس الأمر، فإنه قد يكون رجلًا آخر، إما من الأنبياء، أو الصالحين، ولكن قربت الظنون أنه دانيال؛ لأن دانيال كان قد أخذه ملك الفرس فأقام عنده مسجونًا كما تقدم) [3] . قلت: كيفما كان الأمر فموضع الشاهد محفوظ لنا وهو أن الصحابة منهجهم الذي تلقَّوه من النبي - صلى الله عليه وسلم - هو طمس القبور، وإخفاؤها سواء كانت لأنبياء أو صالحين أو غيرهم، بل كلما كان العبد ذا منزلة أعظم كانت عنايتهم بإخفاء قبره أكبر لأن خوف الفتنة حينئذ أشد.

(1) البداية والنهاية (2/ 40) 0

(2) البخاري مع الفتح (6/ 477 - 478) كتاب الأنبياء باب قول الله: {واذكر في الكتاب مريم إذ انتبذت من أهلها} ولفظه: (أنا أولى الناس بابن مريم، والأنبياء أولاد علات ليس بيني وبينه نبي) من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه -.

(3) البداية والنهاية (2/ 40 - 41) 0

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت