فهرس الكتاب

الصفحة 62 من 528

يعملوا عنده مالا يجوز، وذلك جَعَلَه يدعو ربه أن يجنبه إياه، ولقد استجاب الله دعاءه، وحماه بما فعله الصحابة رضوان الله عليهم، ثم التابعون رحمهم الله كماقال الإمام ابن القيم-رحمه الله-:

فأجاب ربُّ العالمين دعاءه وأحاطه بثلاثة الجدرانِ

حتى غدت أرجاؤه بدعائه في عِزّة ٍوحمايةٍ وصيانِ

ففي عهد الصحابة - رضي الله عنهم - كان في بيت عائشة -رضي الله عنها- وكان لا يدخل عليه ولا يصل إليه أحد إلا بإذنها، ولم يُنقَل أن الناس كانوا يستأذنونها لزيارته، وإنما يسلمون من المسجد ثم ينصرفون، ثم دفن معه أبو بكر ثم عمر ولم يدفن عمر - رضي الله عنه - إلا بإذنها -رضي الله عنها- وقد روى قصة دفنه مع صاحبيه البخاري -رحمه الله- في صحيحه [1] ، ومما يؤيد أن القبر كان بعيدًا عن أنظار الناس وعن وصولهم إليه؛ قصة القاسم بن محمد المتقدمة قريبًا في هذا البحث، وأنه عندما رغب في رؤية القبر استأذن عائشة في ذلك فكشفت له عن القبور، أي أنها فتحت الباب وكشفت الستارة التي على الباب الذي في الجدار الذي بنته عندما دفن عمر - رضي الله عنه - مع النبي - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر ليكون حائلًا بينها وبين القبور [2] ، وهذا دليل قوي على أن القبور كانت في غاية الصيانة والبعد عن وصول الناس، حتى أقرب الناس إلى عائشة لا يرونها إلا بإذن منها رضي الله عنها،

ومما يؤكد ذلك أيضًا ما رواه البخاري في صحيحه عن هشام بن عروة عن أبيه: (لما سقط عليهم الحائط [3] في زمان الوليد بن عبد الملك أخذوا في بنائه، فبدت لهم قدم ففزعوا وظنوا أنها قدم النبي - صلى الله عليه وسلم - فما وجدوا أحدًا يعلم ذلك حتى قال لهم عروة، لا والله ما هي قدم النبي - صلى الله عليه وسلم -، ما هي إلا قدم عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -) [4] ، فانظر كيف كان ذلك الجمع الحاضر لتلك الحادثة غير مميز لمواقع القبور بعضها من بعض مما يؤكد أنها كانت محجوبة عنهم لا يعرفون عنها شيئًا.

ومما يؤكد أن القبر الشريف كان محجوبًا عن الناس، لا يصلون اليه إلا بطريقة غير مأذون فيها، ولا مقرة من أهل العلم وأولي الأمر، حديث علي بن الحسين زين العابدين -رحمه الله- أنه رأى

(1) البخاري مع الفتح (3/ 256) كتاب الجنائز باب ماجاء في قبر النبي - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر وعمر رضي الله عنهما.

(2) انظر وفاء الوفاء (2/ 544) طبع دار إحياء التراث العربي بيروت ط الرابعة (1404 هـ -1984 م) تحقيق محمد محي الدين عبد الحميد 0

(3) أي حائط بيت عائشة رضي الله عنها وذلك عندما أراد عمر بن عبدالعزيز رفع الحائط حول الحجرة الشريفة حيث رأى بعض الناس يصلون إلى القبر فلما حفر حول الحائط القديم انهدم فبدت تلك القدم، انظر الفتح (3/ 257) 0

(4) البخاري مع الفتح (3/ 255) كتاب الجنائز باب ماجاء في قبر النبي - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر وعمر رضي الله عنهما 0

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت