وكذلك فهمه عبدالله بن عمر - رضي الله عنه -؛ فعن قزعة - رضي الله عنه - قال: سألت ابن عمر - رضي الله عنه - آتي الطور؟ فقال: (دع الطور ولا تأتها وقال: لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد) [1] ،وعلى ذلك درج الصحابة والتابعون وتابعوهم لم يثبت أن أحدًا منهم سافر إلى قبر، أو مشهد لمجرد الزيارة، ولم يصرح أحد منهم باستحباب ذلك العمل.
وأما الفقهاء المتأخرون فقد اختلفوا في ذلك ونقل خلافهم الإمام النووي [2] ، وشيخ الإسلام ابن تيمية [3] ،والحافظ ابن حجر [4] - رحمهم الله-،وقد بحث هذه المسألة بحثًا مستفيضًا العلامة صديق حسن خان -رحمه الله- في شرحه لمختصر مسلم المسمى (السراج الوهاج من كشف مطالب صحيح مسلم ابن الحجاج) وقد استغرق بحثه أربعًا وثلاثين صفحة من الحجم الكبير (من ص 84 - 117) من الجزء الخامس من طبعة قطر؛ وبعد إيراد مختلف الأقوال ومناقشتها قال: (وأما السفر لغير زيارة القبور كما تقدم نظائره، فقد ثبت بأدلة صحيحة ووقع في عصره - صلى الله عليه وسلم - وقرره النبي عليه السلام فلا سبيل إلى المنع منه والنهي عنه، بخلاف السفر إلى زيارة القبور فإنه لم يقع في زمنه، ولم يقر أحدًا من أصحابه، ولم يشر في حديث واحد إلى فعله واختياره ولم يشرعه لأحد من أمته لا قولًا ولا فعلًا ... ) إلى أن قال: (وحاصل الكلام وجملة المرام في هذا المقام أن مسألة السفر لزيارة قبر من القبور"أي قبر كان"أقل درجاتها أن تكون من المشتبهات والمؤمنون وقّافون عند الشبهات) [5] .
(1) 1 رواه ابن أبي شيبة في مصنفه (2/ 374 - 375) في كتاب الصلوات باب في الصلاة في بيت المقدس ومسجد الكوفة، وصححه الألباني في أحكام الجنائز ص (226) طبع المكتب الإسلامي بيروت ط الرابعة (1406 هـ-1986 م) وقال: رواه ابن أبي شيبة والأزرقي في أخبار مكة ص (304) ،وقزعة هو ابن يحيى البصري قال عنه الحافظ في التقريب: ص (801) ثقة من الثالثة.
(2) صحيح مسلم (9/ 105 - 106) .
(3) اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم (2/ 665 - 666) .
(4) الفتح (3/ 64) .
(5) السراج الوهاج (5/ 116) .