بصرة الغفاري أبا هريرة وهو جاءٍ من الطور فقال: من أين أقبلت؟ فقال: من الطور صليت فيه، قال: أما لو أدركتك قبل أن ترحل ما رحلت إني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: (( لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام ومسجدي هذا والمسجد الأقصى ) ) [1] .
فهذا النهي عن شد الرحال إلى غير المساجد الثلاثة مقصود به أن يشد رحله مسافرًا إلى مكان بعينه لعبادة الله تعالى فيه، هذا هو الظاهر المتبادر إلى الذهن وهو الذي فهمه ذلك الصحابي أبو بصرة الغفاري، واحتج به على أبي هريرة - رضي الله عنه -،وسكت أبو هريرة - رضي الله عنه - فلم يرد عليه وهذا دليل التسليم لما رُوي ولِمَا أُخذ واستُنبط من تلك الرواية؛ فإن قال قائل: إن أبا هريرة - رضي الله عنه - قد روى ذلك الحديث كما في الصحيحين [2] ، قيل له: إن هذا مما يؤكد قبول أبي هريرة لِمَا أتاه به أبو بصرة رضي الله عنهما، ومن المعلوم أن أبا هريرة لم يقل أنه سمع ذلك الحديث من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -،فالغالب أنه يرويه عن أبي بصرة، ولم يثبت عن أبي هريرة أي رد لما جاء به أبو بصرة لا في الصحيحين ولا في مسند أحمد؛ حيث جاءت القصة كاملة، وهذا يؤكد ذلك القبول والرجوع من أبي هريرة لما جاء به أبوبصرة، كما فهم ذلك أيضًا أبو سعيد الخدري - رضي الله عنه - راوي الحديث، فقد روى أحمد في مسنده أن شهر ابن حوشب قال: لقينا أبا سعيد ونحن نريد الطور، فقال سمعت رسول - صلى الله عليه وسلم - يقول: (( لا تُعمَل المطي إلا إلى ثلاثة مساجد ... ) )الحديث [3] .
(1) رواه مالك في الموطأ تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي طبع دار إحياء التراث العربي بدون تاريخ (1/ 108 - 109) في كتاب الجمعة باب ماجاء في الساعة التي في يوم الجمعة، وأحمد في المسند (6/ 7) وصححه الشيخ الألباني في إرواء الغليل في سياق تخريجه لحديث أبي هريرة برقم (970) وانظر (4/ 141 - 143) من الإرواء وأبو بصرة هو حُمَيْل (مثل حُمَيْدلكن آخره لام وقيل بالجيم) بن بصرة ابن وقاص الغفاري، صحابي سكن مصر ومات بها.
(2) البخاري مع الفتح (3/ 63) كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة، ومسلم كتاب الحج باب فضل المساجد الثلاثة ... (9/ 167 - 168) مع النووي.
(3) رواه أحمد في المسند (3/ 93) وقال الإرناؤوط في تحقيقه: صحيح وقدرواه أحمد من غير طريق شهر مما يدل على أن شهر حفظ هذا الحديث وانظر (17/ 91) من تحقيق المسند (وشهر هو بن حوشب الأشعري الشامي مولى أسماء بنت يزيد بن = ... = السكن) قال عنه الحافظ في تقريب التهذيب تحقيق أبي الأشبال ص (441) : صدوق، كثير الإرسال والأوهام، من الثالثة (ت 112 هـ) طبع دار العاصمة بالرياض ط الأولى (1416 هـ) .