(والكل دالّ على مشروعية زيارة القبور وبيان الحكمة فيها وأنها للاعتبار ... فإذا خلت من هذه لم تكن مرادة شرعًا) [1] .
فهذه هي زيارة القبور عند أهل السنة كما علّمهم إيّاها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فمن أتى بها على هذا الوجه ولهذه الغاية ظفر بالأجر والفائدة المترتبة عليها، ومن زارها لغير ذلك فهي ردٌّ عليه 0 ثم إنها إما أن تكون بدعية، وإما أن تكون شركية بحسب ما يحصل فيها من أعمال ويقارنها من اعتقاد وقصد.
ذلك هو هدي الإسلام في زيارة القبور، وتلك هي أهداف وغايات الزيارة واضحة ناصعة بعيدة عن كل ذريعة تؤدي إلى الشرك بأربابها والغلوّ في أصحابها، وقد جاءت بعض القيود التي تسد الثغرات الموصلة إلى ذلك:
القيد الأول: ألا تتخذ أعيادًا: قال - صلى الله عليه وسلم: (لاتجعلوا بيوتكم قبورًا، ولا تجعلوا قبري عيدًا، وصلوا عليّ، فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم) [2] ،وقد سبق كلام العلماء عليه ونص المناوي على أن من ذلك: (اجتماع العامة في بعض أضرحة الأولياء في يوم أو أشهر مخصوص من السنة) ودعا ولاة الأمر إلى إنكار ذلك عليهم [3] .
ونفهم من هذا أنه ليس من هدي الإسلام تعيين يوم معين من سنة، أو شهر، أو أسبوع، يخصص لزيارة القبور كما هو شأن القبورية.
القيد الثاني: ألا تُشَدّ إليها الرحال، فعن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (( ولا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: مسجد الحرام ومسجد الأقصى ومسجدي ) ) [4] ، وروى الإمام أحمد -رحمه الله تعالى - في مسنده عن عبدالرحمن بن هشام بن الحارث أنه قال: (لقي أبو
(1) سبل السلام شرح بلوغ المرام للإمام محمد بن اسماعيل الأمير الصنعاني (2/ 230 - 231) طبع دار الكتاب العربي ط الثانية (1406 هـ -1986) .
(2) تقدم تخريجه (ص 13) .
(3) انظر كلامه رحمه الله (ص 13) .
(4) رواه البخاري عن أبي سعيد الخدري وانظر الفتح (3/ 70) كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة باب مسجد بيت المقدس واللفظ له، ومسلم نحوه في كتاب الحج باب سفر المرأة مع محرم إلى حج وغيره (9/ 104 - 106) مع النووي.