[1] ، أو عصر دون آخر، وإن كان يقوى الإنكار حينًا، ويضعف حينًا آخر على مقتضى الأحوال، كما أن القبورية نفسها كانت تسفر عن وجهها حينًا وتتبرقع بالتقية حينًا آخر.
وفي عصرنا هذا، عصر الصحوة المباركة، التي أقضت مضاجع الكافرين، ودوخت جنود الغازين المعتدين، وأشعرت طوائف الكفر المختلفة؛ أن الجولة القادمة للإسلام، وأن الخصم الحقيقي للكفر وأهله هم أبناء الصحوة ورموزها العظام، السائرون على منهج أسلافهم الصالحين الكرام، فصمم الكفار على محاربة هذا الاتجاه. لتمسكه الصارم بجميع ما تقتضيه لا إله إلا الله، وأرادوا أن يحل محلهم من يُجَزِّئ ذلك وفق شهوته وهواه، فشجعت دوائر النظام الدولي الجديد ووكلاؤها في بلاد المسلمين سائر الفرق الضالة المنتمية للإسلام على الظهور والتصدر والانتشار في الساحة الإسلامية، لتكون البديل المناسب الذي يمكن التعامل معه باسم الإسلام، لإلغاء وجود العلماء العاملين والدعاة الصادقين، وأتباعهم المخلصين.
ومن تلك الطوائف التي وقع عليها الاختيار الصوفية المنحرفة، وقد رأينا آثار ذلك الاختيار في صورة دعم مادي ومعنوي للطرق الصوفية، ودعاة القبورية المعاصرين ومنهم رموز في اليمن، حيث قد ثبت اهتمام السفارات الأجنبية بأولئك الرموز، ومؤسساتهم الدعوية العلمية بل إن بعض السفارات قد قدمت الدعم المادي القوي لبناء بعض مشاريعهم التعليمية وغيرها، وبذلك نشطت الصوفية في اليمن نشاطًا ملحوظًا، حيث أقامت الجمعيات والجامعات، وأعادت فتح الأربطة التعليمية القديمة، وأنشأت أخرى جديدة، وأسست دور نشر ومكتبات، لبعث تراثهم الفكري ومنهاجهم القبوري، وشرعت في تجديد وترميم المشاهد والقباب، وإعادة الزيارات القبورية لسالف عهدها.
وذلك في نظري تهديد مباشر للعقيدة، وتوهين للإّتِبَاع، وعمل على نشر الشرك والابتداع، فكان من الواجب على كل قادر أن يذب عن هذا الدين، ويدافع عن عقائد المسلمين، ومن أنجح هذه الوسائل حسب اعتقادي، كشف حقيقة الخصم، وتعرية مبادئه ومناهجه؛ ليحذره الناس، ويتحصنوا عن الاغترار بدعوته والوقوع في فتنته، فجاءت هذه الرسالة التي أكتبها لإتمام متطلبات التخرج في مرحلة الماجستير وسميتها"القبورية في اليمن نشأتها وآثارها وموقف العلماء منها".
(1) ولبيان جهود علماء المذاهب المختلفة في الرد على القبورية ألفت رسائل علمية في جهود كل مذهب على حده، هي:"جهود علماء الحنفية في إبطال عقائد القبورية"للدكتور: شمس الدين السلفي الأفغاني،"وجهود أئمة الشافعية في تقرير توحيد العبادة"للدكتور عبدالله العنقري، و"جهود أئمة المالكية"للشيخ: عبدالله العرفج، أما علماء الحنابلة فجهودهم أكثر من أن تحصر في كتاب.