خذلان القاعدين من المآلفين، ولقد تنوعت أساليب جهادها وميادين حربها لأعدائها ما بين السيف والسنان والقلم واللسان، وبين جهاد الكفار الظاهرين والمبتدعة والمنافقين، كل بما يليق بحاله ويحقق إزالة منكره وضلاله ممتثلين قول الحق سبحانه: {يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم ومأواهم جهنم وبئس المصير} [1] ، وقوله سبحانه: {ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين} [2] ، وبذلك حفظ الله هذا الدين وثبت الإيمان واليقين.
ولكن قضاء الله المبرم وسننه الكونية التي لا تخرم، قضت بانحراف طوائف من هذه الأمة، وأخذها بسنن الأمم الماضية والقرون الخالية في جوانب مختلفة من عقائدها وأعمالها، وكان لكل فرقة حلية وشعار يعرفه من طالع كتب تاريخ العقيدة على تتابع الأعصار، وكان من أبرز شعارات الشيعة الغالية والصوفية الجاهلة التي هي من العلوم خالية - الغلو في الصالحين من الأئمة والأولياء - غلوًا حملهم على أن (أخرجوهم من حدود الخلقية، وحكموا فيهم بأحكام الإلهية، فربما شبهوا واحدًا من الأئمة بالإله، وربما شبهوا الإله بالخلق) [3] ، ولأجل أنهم قد فارقوا الحياة، ولا يمكن الالتقاء بذواتهم الباليات، عمدوا إلى تشييد المشاهد والقباب لتكون ملجئًا إليه يلجؤون وعليه يعولون، كما صور عبّاد الأوثان صور الأنبياء والصالحين وزعموا أنهم متى اشتغلوا بعبادة هذه التماثيل، فإن أولئك الأكابر تكون شفعاء لهم عند الله كما قرر ذلك الإمام الفخر الرازي [4] .
ومن منطلق الغلو في البشر تولدت العقائد الضالة، والتصورات المنحرفة، والأعمال الباطلة المراغمة لصرائح آيات الكتاب، وصحيح السنة الذي لا شك فيه ولا ارتياب.
ومنذ أن ظهر ذلك الانحراف والعلماء لهم بالمرصاد، ينكرون تلك الضلالات، ويقررون أحكام تلك البدع والمنكرات، بين مصرح وملمح، ومقل ومستكثر، لم يختص بذلك مذهب دون مذهب
(1) التوبة (73) .
(2) النحل (125) .
(3) الملل والنحل (1/ 127) .
(4) انظر: مفاتيح الغيب للفخر الرازي (17/ 60) .