وقال العلامة ابن حجر الهيتمي في"الفتاوى الكبرى"في جواب سؤال يتعلق بهذا الموضوع: (المنقول المعتمد كما جزم به النووي في شرح المهذب حرمة البناء في المقبرة المسبلة، فإن بُني فيها هُدم ولا فرق في ذلك بين قبور الصالحين والعلماء وغيرهم، وما في الخادم مما يخالف ذلك ضعيف لايلتفت إليه، وكم أنكر العلماء على باني قبة الإمام الشافعي- رحمه الله - وغيرها، وكفى بتصريحهم في كتبهم إنكارًا) انتهى محل الغرض منه [1] .
وقال في جواب سؤال آخر: (يحرم بناء القبر في المقبرة المسبلة؛ وهي التي اعتاد أهل البلد الدفن فيها، ومثلها الموقوفة لذلك، سواء كان مدماكًا أم مدماكين لأن الكل يسمى بناء ولوجود علة تحريم البناء في ذلك وهي تحجير الأرض على من يدفن بعد بلاء الميت، إذ الغالب أن البناء يمكث إلى ما بعد البلى، وأن الناس يهابون فتح القبر المبني، فكان في البناء تضييق للمقبرة ومنع الناس من الانتفاع بها فحرم، ووجب على ولاة الأمر هدم الأبنية التي في المقابر المسبلة، ولقد أفتى جماعة من عظماء الشافعية بهدم قبة الإمام الشافعي -رحمه الله-وإن صُرفت عليها ألوف من الدنانير لكونها المقبرة المسبلة وهذا - أعني البناء في المقابر المسبلة - مما عمّ وطم، ولم يتوقِّه كبير ولا صغير فإنا لله وإنا اليه راجعون) [2] .
وقال شيخ الإسلام الشوكاني -رحمه الله- في النيل في شرح حديث علي - رضي الله عنه: (قوله:"ولا قبرًا مشرفًا إلا سويته"فيه أن السنة أن القبر لا يرفع رفعًا كثيرًا من غير فرق بين من كان فاضلًا ومن كان غير فاضل، والظاهر أن رفع القبور زيادة على القدر المأذون فيه محرّم، وقد صرح بذلك أصحاب أحمد وجماعة من أصحاب الشافعي ومالك، والقول بأنه غير محظور لوقوعه من السلف والخلف بلا نكير - كماقال الإمام يحيى [3] والمهدي [4] في الغيث - لا يصح لأنه غاية ما فيه أنهم
(1) الفتاوى الكبرى للإمام العلامة أحمد بن محمد الهيثمي المكي (2/ 17) طبع دار الفكر ببيروت (1403 هـ-1983 م) .
(2) المرجع السابق (2/ 25) .
(3) ستأتي ترجمته في الباب الأول (ص 102) .
(4) الإمام أحمد بن يحيى بن المرتضى، من كبار أئمة الزيدية ومن عليهم المعوَّل في الفقه بل إن كتابه (الأزهار) هو عمدتهم بلا منازع. بلغ درجة الاجتهاد وهي شرط من شروط الإمامة عند الزيدية فبويع له بالإمامة سنة (793 هـ) ولم يتم له الأمر، له عدد كبير من المصنفات من أشهرها:
-... الأزهار وشرحه الغيث المدرار.
-... البحر الزخار الجامع لمذهب علماء الأمصار.
-... المنية والأمل في الملل والنحل.=
=وغيرها كثير، توفي - رحمه الله - سنة (840 هـ) .انظر البدر الطالع (1/ 122 - 126) ،بلوغ المرام في شرح مسك لختام للقاضي حسين بن أحمد العرشي ص (410) ، طبع دار إحياء التراث العربي ببيروت عني بطبعة الأب أنستاس ماري الكرملي.