وقال القرطبي -رحمه الله تعالى- في تفسيره"تفسير سورة الكهف": (وأما تعلية البناء الكثير على نحو ما كانت الجاهلية تفعله تفخيمًا وتعظيمًا فذلك يُهدم ويزال، فإن فيه استعمال زينة الدنيا في أول منازل الآخرة، وتشبهًا بمن كان يعظم القبور ويعبدها وباعتبار هذه المعاني وظاهر النهي ينبغي أن يقال هو حرام) [1] .
وكان -رحمه الله تعالى- قد صرح في تفسير سورة البقرة عند قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا واسمعوا وللكافرين عذاب أليم} [2] .وهو يتكلم عن سد الذرائع بأن ما ورد من الأحاديث في النهي عن البناء على القبور وتجصيصها ... الخ. إنما هو لسد الذريعة المؤدية الى ما وصلت إليه الأمم السابقة من التدرج في عبادتها من دون الله وهذا نص كلامه -رحمه الله-: (قال علماؤنا: ففعَلَ ذلك أوائلهم ليأنسوا برؤية تلك الصور ويتذكروا أحوالهم الصالحة فيجتهدون كاجتهادهم ويعبدون الله عز وجل عند قبورهم، فمضت لهم بذلك أزمان، ثم إنهم خلف من بعدهم خلوف جهلوا أغراضهم، ووسوس لهم الشيطان: أن آباءكم وأجدادكم كانوا يعبدون هذه الصور فعبدوها فحذر النبي - صلى الله عليه وسلم - عن مثل ذلك وشدّد النكير والوعيد على من فعل ذلك وسدَّ الذرائع المؤدية الى ذلك فقال:(( اشتدَّ غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد ) )وقال: (( اللهم لا تجعلْ قبري وثنًا يعبد ) ) [3] .
هذه أقوال أهل العلم على هذه الأحاديث ونحوها، وكلها تؤكد أن المقصد من ذلك النهي والتشديد هو سدّ ذرائع الشرك، وألا يصل الحال بهذه الأمة كما وصل بالأمم السابقة حتى حلّت بها الوثنية والشرك وذلك يؤكّد ما عَنْوَنَّا له أول الفصل ولله الحمد.
الأسلوب السابع - الأمر بتسوية القبور المشرفة مع قرن ذلك بطمس التماثيل: فعن ثمامة بن شُفي -رحمه الله - قال: (كنا مع فضالة بن عبيد بأرض الروم برودس [4] فتوفي صاحب لنا فأمر
(1) الجامع لأحكام القرآن (10/ 381) 0
(2) البقرة (104) 0
(3) تفسير القرطبي (2/ 58) .
(4) (هي جزيرة من جزر البحر الأبيض المتوسط افتتحها معاوية - رضي الله عنه - ودانت بالإسلام زمنًا ثم طرد منها المسلمون وعادت ... إلى النصرانية) انظر معجم البدان لياقوت بن عبد الله الحموي (3/ 78) طبع دار صادر، بيروت ط ثانية (1995 م) .