فهرس الكتاب

الصفحة 42 من 528

[1] -رحمهما الله-،وإليك كلام بعض العلماء على هذه الأحاديث وإشارتهم وتصريحهم بأن هذه النصوص تمنع من تعظيم القبور حتى لا تعبد من دون الله، ويفتتن بها الناس، وتؤدي إلى ما أدى إليه غلوّ الأولين في قبور معظميهم، حيث صارت أوثانًا تعبد من دون الله.

قال الحافظ ابن حجر -رحمه الله- في كلامه على حديث عائشة وابن عباس رضي الله عنهما: (وكأنه علم أنه مرتحل فخاف أن يعظَّم قبره كما فعل من مضى فلعنَ اليهود والنصارى إشارة الى ذم من فعل فعلهم) [2] .

ويناسب هذا المقام ما ذكره الإمامان النووي وابن حجر في شرحهما على الصحيحين في الكلام على قصة موت موسى - عليه السلام -، وسؤال ربه أن يدنيه من الأرض المقدسة.

قال النووي -رحمه الله: (قال بعض العلماء: وإنما سأل الإدناء ولم يسأل نفس بيت المقدس لأنه خاف أن يكون قبره مشهورًا عندهم فيفتتن به الناس) [3] .

وقال ابن حجر: (لكن حكى ابن بطال عن غيره أن الحكمة في أنه لم يطلب دخولها ليُعمِّي موضع قبره لئلا يعبده الجهال من أمته) [4] .

من هذه النقول الثلاثة يتبين ما فهمه العلماء من أحاديث النهي عن اتخاذ المساجد على القبور؛ وهو خشية التعظيم المفضي إلىعبادتها كما حصل للأمم السابقة بغلوها في أنبيائها وصالحيها إلى أن عبدتهم من دون الله، وتحولت القبورية إلى وثنية وشرك، أجار الله أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - من ذلك.

وقال العلامة ابن دقيق العيد [5] -رحمه الله تعالى- في شرح عمدة الأحكام في حديث عائشة الثاني: (وقوله - عليه السلام:(( بنوا على قبره مسجدًا ) )إشارة الى المنع من ذلك وقد صرح به الحديث

(1) مؤرخ المدينة النبوية وفقيهها في وقته، علي بن عبدالله بن أحمد السمهودي القاهري الشافعي، نزيل الحرمين، صاحب أضخم كتاب مطبوع في تاريخ المدينة وهو كتاب (وفاء الوفاء في أخبار دار المصطفى) ،ولد سنة (844 هـ) وتوفي سنة (911 هـ) انظر الضوء اللامع للسخاوي (5/ 245 - 248) .

(2) الفتح (1/ 532) 0

(3) النووي على مسلم (15/ 128) 0

(4) الفتح (3/ 207) .

(5) الإمام المجتهد المحدث محمد بن علي بن وهب المصري الدار، والشافعي ثم المالكي المذهب، أحد من قيل إنهم من المجددين لهذا الدين، وصاحب المصنفات المستعذبة المفيدة، ولد في البحر قرب ينبع سنة (625 هـ) وتوفي سنة (702 هـ) انظر البداية والنهاية (14/ 27) والدرر الكامنة في إعيان المائة الثامنة للحافظ أحمد بن علي بن حجر رحمة الله تعالى (4/ 91 - 96) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت