فهرس الكتاب

الصفحة 41 من 528

الذي لم يقم منه: (( لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد ) )قالت: فلولا ذلك أبرز قبره غير أنه خشي أن يتخذ مسجدًا )) [1] .

وعنها رضي الله عنها قالت: لما كان مرض رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تذاكر بعض نسائه كنيسة بأرض الحبشة يقال لها مارية وقد كانت أم سلمة وأم حبيبة قد أتتا أرض الحبشة، فذكرتا من حسنها وتصاويرها، قالت: فرفع النبي - صلى الله عليه وسلم - رأسه فقال: (( أولئكِ إذاكان فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجدًا، ثم صوَّروا فيه تلك الصور، أولئكِ شرار الخلق عند الله يوم القيامة ) ) [2] .

وعن ابن عباس وعائشة - رضي الله عنهم - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما حضرته الوفاة جعل يلقي علىوجهه طرف خميصة [3] له فإذا اغتم بهاكشفهاعن وجهه وهو يقول: (( لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد ) )تقول عائشة رضي الله عنها: (يحذّر ما صنعوا) [4] .

هذه الأحاديث الثلاثة يشدد فيها النبي - صلى الله عليه وسلم - النكير، ويؤكده بلعن الفاعلين لذلك، وأنهم شرار الخلق عند الله تعالى، وذلك لقبح ذلك الفعل وعظيم أثره في الانحراف عن العقيدة الصحيحة، وفتح الباب للشرك والوثنية وقد بيَّنت عائشة رضي الله عنها أن الصحابة فهموا ما قصده النبي - صلى الله عليه وسلم - وعناه، ومن أجل ذلك لم يبرزوا قبره خشية أن يتخذ مسجدًا، وأنه إنما قال ذلك محذرًا لأمته أن تصنع كما صنع أولئك.

قلت: وبالفعل عمل الصحابة والتابعون لهم بإحسان وسائرُ العلماء في العصور المختلفة علىستر قبره وحجبه عن الناس، وبالغوا في ذلك غاية المبالغة كماسيأتي في كلام النووي [5] والسمهودي

(1) البخاري مع الفتح (3/ 200) كتاب الجنائز، باب مايكره من اتخاذ المساجدعلىلقبور، ومسلم مع النووي (5/ 12) كتاب المساجد ومواضع الصلوات، باب النهي عن بناء المسجدعلى القبور واتخاذ الصور فيها، طبع دار الكتب العلمية بيروت بدون تاريخ.

(2) البخاري مع الفتح (3/ 208) كتاب المساجد، باب بناء المسجد على القبر، ومسلم مع النووي (5/ 11) كتاب المساجد ومواضع الصلوات، باب النهي عن بناء المسجد على القبور واتخاذ الصور فيها.

(3) (الخميصة كساء أسود مربع له علمان) القاموس المحيط ص (797) .

(4) البخاري مع الفتح (6/ 494 - 495) كتاب أحاديث الأنبياء، باب ما ذكر عن بني إسرائيل، ومسلم مع النووي (5/ 13) الكتاب والباب المتقدمين 0

(5) الإمام العلامة شيخ الشافعية وعمدتهم، وأحد أئمة الحديث في زمانه، محيي الدين يحيى بن شرف النووي صاحب التصانيف المفيدة المباركة، التي لاقت القبول عند سائر علماء المسلمين ببركة إخلاصه، ولد بنوى سنة (631 هـ) وتوفي بها سنة (676 هـ) ،وانظر البداية والنهاية (3/ 278 - 279) ،وطبقات الشافعية الكبرى للشيخ تاج الدين السبكي ... (8/ 395 - 400) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت