فطلبه علي بن الفضل ليكون طبيبًا له ثم احتاج ابن الفضل إلى الفصد ففصده بمبضع مسموم فمات ابن الفضل وهرب الطبيب إلى موضع يسمى"قينان"بوادي السحول فقتل هناك، قال الجندي: (وقبره هنالك، وهو مسجد جامع له منارة يزار ويتبرك، به دخلته في المحرم أول سنة ست وتسعين وستمائة) [1] .
وقد علق على ذلك القاضي الأكوع فقال: (والقبر لايزال موجودًا وهذه القصة ظاهرة عليها الصنعة والوضع ومحتاجة إلى مناقشة) [2] .
أما ابن الديبع فقال: (فأُدرك في السحول عند المسجد المعروف بقينان، فأرادوا إمساكه، فامتنع وقاتلهم حتى قتل، وقبره هناك رحمه الله) [3] .وهذا - كما ترى - ليس فيه ذكر المسجد الذي على القبر وعلى كل حال فليس في النقلين ولا في غيرهما ذكر لتاريخ بناء المسجد الذي على القبر ولا من بناه، فليس فيه أي حجة على وجود مسجد على القبر قبل التاريخ الذي ذكرته سابقًا، وهو العقد الثاني من القرن الخامس؛ لأن هذا المسجد لو صح أنه بني عند مقتل ذلك الرجل لكان في القرن الرابع، حيث أنه قتل بعد مقتل علي بن الفضل بأيام، ولكن ذلك لم يصح، وبهذا يثبت أن المشاهد الثابت بناؤها هي التي أسستها الدولة الصليحية الإسماعيلية، غير أنه - ومن باب الأمانة ومعرفة الحقيقة - قد ثبت أن هناك مشهدًا واحدًا، سبق الدولة الصليحية بسنوات، وهو لا يمت للقبورية بصلة؛ لأنه من مشاهد السلاطين لا من مشاهد الأولياء والصالحين، ذلك المشهد هو مشهد آخر أمير من أمراء بني زياد وعمته، إذ إن وزير ذلك الأمير الطفل - ويسمى نفيسًا - كان قد قتل الطفل وعمته بتهمة أن المرأة كانت تكاتب خصمه ومنافسه"نجاحًا"، وكان وقتها فارًا من زبيد بسبب تسلط"نفيس"، فقتلها، وقتل الطفل، ثم بنى عليهما جدارًا، فلما علم نجاح بذلك اتخذه ذريعة للانقضاض على خصمه، وجمع الجموع، ثم هجم بهم على زبيد في عدة وقائع، آخرها سنة (412 هـ) حيث قتل نفيس، فلما دخل نجاح زبيد سأل مولاه"مرجان": (ما فعل مواليك وموالينا؟ قال: في ذلك الجدار، فأخرجهما نجاح، وصلى عليهما، وبنى لهما مشهدًا، وأعاد مرجانًا في موضعهما، فبنى عليه حيًا وعلى جثة نفيس) [4] .
(1) السلوك (1/ 212)
(2) المصدر السابق الموضع نفسه.
(3) فرة العيون ص (150) .
(4) المفيد ص (85 - 86) .