فهذه المراجع كلها كما ترى تثبت وجود المسجد على القبر، ولكن متى بني ذلك المسجد؟ ومن الذي بناه؟.
عبارتهم بلفظ المبني للمجهول وهي لا تفيد تحديد من بنى أو متى بُني، كما أن العرشي يثبت أن القبر بذلك المسجد، وهو أيضًا لم يحدد تاريخ بناء المسجد، فالذي نفهم من هذه العبارات أنه في أيام أولئك المؤرخين يوجد مسجد، يقال: إنه على قبر ذينك الطفلين، لم يحدد أحد منهم ولا من غيرهم متى بني، ومما يؤكد أنه لم يكن موجودًا في الزمن الأول أن المؤرخ إسحاق بن يحيى بن جرير الطبري الصنعاني المتوفى سنة (450 هـ) ذكر الحادثة وقتل الطفلين في باب المصرع، ولم يذكر بناء المسجد عليهما [1] ، وكذلك الرازي المتوفى سنة (560 هـ) ذكر المصرع، وصرح بقوله: (الموضع الذي يباع فيه السليط وموضع الحدادين إذا أردت أن تنزل سوق العراقيين موضع مسجد ابن زيد، وكانت مقبرة غمدان حيث يحدد الحدادون اليوم بصنعاء، والله سبحانه وتعالى أعلم) [2] ، فلو كان هناك مسجد أو مشهد على القبرين لذكرَه، وبهذا نعلم أن المسجد أو المشهد المشار إليه إنما بني بعد ذلك على عادة القبورية الذين يتتبعون المناسبات، وعلى أثرها يبنون على البقعة التي يتوهمون أنها موضع القبر، فتصبح بذلك مزارًا، ولهذا فإن الدكتور"علي سعيد سيف"في رسالته الأضرحة في اليمن لم يثبت هذا المسجد ضمن الأضرحة التي تناولها بالدراسة، وإنما ذكرها في التمهيد فقط، وقال: (ولكن يستشف من بعض الروايات) [3] .
وقد اجتهدت في توضيح هذه المسألة حتى لا يقال أن هناك مشهدًا من أيام الصحابة؛ فيتخذ حجة للقبوريين، ومثل ذلك يقال في المسجد المبني على قبر الشريف العراقي، وهو الطبيب العراقي الذي كان يعمل في اليمن في صنعاء، فلما سمع بما يفعله علي بن الفضل بالإسلام والمسلمين نذر على نفسه أن يقتله، فذهب إلى عاصمة ابن الفضل"المذيخرة"وعمل فيها وأظهر براعة في الطب
(1) تاريخ صنعاء للطبري المذكور ص (25) تحقيق عبدالله الحبشي، وطبع مكتبة السنحاني بصنعاء بدون تاريخ.
(2) تاريخ مدينة صنعاء للرازي ص (85) تحقيق حسين عبدالله العمري، طبع مكتبة الفكر المعاصر ببيروت، ودار الفكر دمشق، الطبعة الثالثة (1409 هـ -1989 هـ) .
(3) الأضرحة في اليمن ص (28) .