وأوقاف هي تلك الأموال التي أجرتها أم موسى وهي أم المهدي ابنة يزيد بن منصور وقد عزى تلك القصة إلى الطبري في تاريخه في حوادث عام (193 هـ) [1] .
وعلى كل حال فاحتمال أن يكون الشيعة - في الفترة ما بين عصر المنصور والرشيد - قد تمكنوا من عمل شيء ما من البدع وأحدثوا شيئًا ما من المعالم على قبر الحسين - غير بعيد، ولكن حينما فطن لها الرشيد فعل ما يجب عليه من إزالة لما أوجب الشرع إزالته، وأما كون القبر قد صار له نظام معين وإدارة وسدنة .... الخ فهذه مزاعم لادليل عليها، ولا تتماشى مع واقع ذلك العصر.
ثم ذكر أن القبر وما عليه من بناء وما حوله من دور قد هدمت في أيام الخليفة المتوكل أربع مرات خلال خمسة عشرة سنة، وأطال في ذلك جدًا وكانت مراجعه في ذلك في الغالب كتب الشيعة وبعض كتب مؤرخي أهل السنة، والذي يظهر أن بناءً بشكل ما قد أقيم على القبر، وذلك بعد عهد الرشيد وفي أيام الخلفاء الذين تبنوا مذهب الشيعة وهم المأمون والمعتصم والواثق، إما برضى منهم أو بانصرافهم عن مراقبة تلك البقعة وما يدور فيها، لعدم الحساسية التي كانت لدى أسلافهم، من ذلك؛ فتمكن المتربصون من الرافضة مما يريدون، حتى إذا كانت خلافة المتوكل ورجع عن التشيع والاعتزال وأحاط به أهل السنة قام بما يجب عليه من طمس تلك المعالم المخالفة للشرع تنفيذًا لأمر الرسول - صلى الله عليه وسلم - الذي رواه عنه على بن أبي طالب - رضي الله عنه -.
هذا الذي يمكن أن يكون قد حصل وأما ما كثَّر به الدكتور عبد الجواد الكلام وسوَّد به الصفحات فهو مما لا تطمئن إليه النفس، إذ يبعد أن يحصل ذلك أربع مرات في خلال خمس عشرة سنة مع إصرار المتوكل على منع أي إحداث في ذلك الموضع، وقد ذكر بعد ذلك أن المنتصر بن المتوكل كان قد أعاد البناء على قبر الحسين ووضع عليه ميلًا عاليًا يرشد الناس إليه، واعتمد في ذلك على مراجع شيعية فقط.
غير أن مؤرخي السنة قد ذكروا ميل المنتصر إلى آل أبي طالب ومحبته لهم وإرجاع بعض ما كان لهم من الأوقاف وغيرها [2] ، ومن هنا فلا يستبعد أن يجيبهم إلى شيء من ذلك، غير أن كل ما يمكن أن يقال: أنه فعله، إنما هو وضع علامة على قبر الحسين - رضي الله عنه - فقط، ليعرف موضع القبر، والشيعة عندما يستميتون في إثبات ذلك إنما يريدون الاستدلال على عراقة ما هم عليه من القبورية المعاصرة وأن جذورها ممتدة إلى القرون المفضلة.
(1) المصدر السابق ص (186) .
(2) تاريخ الخلفاء (356) لجلال الدين السيوطي، تحقيق محمد محي الدين عبد الحميد، مطبعة دار السعادة مصر، الطبعة الأولى ... (1371 هـ 1952 م)