فهرس الكتاب

الصفحة 77 من 285

عليهم فنجد كثيرًا من الآيات المعنية في هذا الموضوع توجه الخطاب للإنس كقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الأَرْضِ حَلالًا طَيِّبًا وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ} [1] فالكاف هنا في لكم تعود على المنادى في صدر الآية وهم الناس، ومنها قوله تعالى على لسان نبي الله يعقوب يعظ ابنه يوسف: {يَا بُنَيَّ لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ} [2] وغيرها كثير، ولكن هذه الحقيقة لا تعني بأي حال اقتصار الخطاب على الإنس فهناك آيات عامة في الخطاب كقوله تعالى على لسان موسى - عليه السلام: {قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ} [3] ، وإنما تركز التحذير من الشيطان على بني آدم للقصة المعروفة بين إبليس وآدم والتي كانت منشأ العداوة بينهما، ولكن العداوة في الأصل عامة لكل مؤمن من الإنس والجن، وهذا ما ينبغي أن يكون واضحًا عند من يطلبون التأصيل العلمي، ويبحثون عن دقة العبارة وهذا ما دفعني هنا إلى تلك الملاحظة، فنحن هنا في باب التأصيل العلمي الدقيق لا في معرض الكلام التفسيري الرقيق.

المطلب الثالث: الشيطان ألد أعداء الأنبياء:

اقتضت سنة الله تعالى ألا يترك عباده في خضم تلك المعركة مع الشيطان دونما نصير أو مؤيد منه، فكان كلما ضعف حبل العلاقة بين البشر وخالقهم فاستكانوا للشيطان بالانجراف في خطواته، بعث الله لهم من يعيدهم إلى سبيل الحق، وطريق الرشاد، هؤلاء هم الأنبياء المؤيدون من الله بالمعجزات والكتب، فيبيِّنون للمخدوعين مكائد الشيطان وحباله، ويعلنون على الشيطان حربًا ضروسًا لا هوادة فيها، يقضون أعمارهم دفاعًا عن الحق، وكشفًا لزيف الباطل، ومن هنا فقد كان أنبياء الله هم ألد أعداء الشياطين، فكلما اقترب العبد من ربه، ابتعد عن الشيطان، وبالتالي زادت العداوة بينهما، والأنبياء هم أقرب الناس مكانة من الله حيث العصمة، والمعجزة، والتأييد، والنصرة، وقد بين الله تعالى أنه ما من نبي على مر الزمان بعثه الله إلا وكان له من الشياطين زمرة تناصبه العداء، وتمشي في طريق حربه والكيد له، شياطين من الجن، وشياطين من الإنس، يعملون سويًا على محاربة الحق، يقول تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْأِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ} [4] "وكما ابتليناك يا محمد بأن جعلنا لك من مشركي قومك أعداء شياطين يصدونهم بمجادلتهم إياك بذلك عن اتباعك، والإيمان بك بما جئتهم به من عند ربك، كذلك ابتلينا من قبلك الأنبياء والرسل بأن جعلنا لهم أعداء من قومهم يؤذونهم بالجدال والخصومات" [5] .

من لطائف الآية: قدم الله - سبحانه وتعالى - لفظة الإنس على الجن في ذكر أعداء الأنبياء مع أن أصل الشياطين في الجن، وإنما كان ذلك للطيفة أرادها الله في هذا السياق، فهو هنا يتحدث عن عداوة الشيطان للأنبياء، والأنبياء من البشر، فكانت مهمة العداوة والحرب والكيد منوطة بشكل أساسي بشياطين الإنس لأنهم من جنس الأنبياء، فيسهل التعامل معهم، ومع من يدعونهم، وهذا قول الطبري حيث قال في بداية تفسير الآية السابقة:"بأن جعلنا لك من مشركي قومك أعداءً شياطين"، ويؤيد هذا الرأي ما جاء عن ابن عباس في تفسير العدو في قوله تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا} [6] "أي كما جعلنا لك يا محمد عدوًا من مشركي قومك - وهو أبو جهل في قول ابن عباس - فكذلك جعلنا لكل نبي عدوًا من مشركي قومه، فاصبر، لأمري كما صبروا، فإني هاديك، وناصرك على كل ما ناوأك" [7] فهذه الآية مجملة من جهة، ومبيِّنة من جهة أخرى، أما إجمالها فلأنها أجملت شياطين الإنس والجن في

(1) - سورة البقرة، الآية 168.

(2) - سورة يوسف، الآية 5.

(3) - سورة القصص، الآية 15.

(4) - سورة الأنعام، الآية 112.

(5) - جامع البيان - للطبري - م 5 - ج 8 - ص 8.

(6) - سورة الفرقان، الآية 31.

(7) - الجامع لآيات الأحكام - للقرطبي - ج 13 - ص 27.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت