يكون الإنسان إلا في حالة الضلال والفساد" [1] ."
ولما كانت هذه العداوة تدفع أصحابها إلى الكيد الشديد بالمؤمنين جاء التحذير منها على لسان الأنبياء فهذا يعقوب - عليه السلام - يحذر ابنه يوسف من تلك العداوة فيقول الله حكاية عنه: {قَالَ يَا بُنَيَّ لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ} [2] "قال يعقوب لابنه يوسف يا بني لا تقصص رؤياك هذه على إخوتك فيحسدوك فيكيدوا لك كيدًا، فيبغوك الغوائل، ويناصبوك العداوة، ويطيعوا فيك الشيطان، فالشيطان لآدم وبنيه عدوٌ، وقد أبان لهم عداوته وأظهرها، فاحذر الشيطان أن يغري أخوتك بك بالحسد منك إن أنت قصصت عليهم رؤياك" [3] .
ولما كان أمر هذه العداوة جدّ خطير، إذ هي توصل بمن جهلها إلى السعير، زاد الحق سبحانه في بيان ذلك، حيث أخبر في مواضع كثيرة بأن تلك العداوة هي لآدم وذريته، ولكنه في سورة طه يزيد الأمر تفصيلًا ليدخل زوجه في نطاق تلك العداوة - وإن كنا نعلم أن زوجة آدم داخلة في خطاب زوجها ضمنًا - ولكن هذه زيادة في التحذير لكل فرد من المؤمنين رجالهم ونساءهم، ولعل ذكر حواء هنا جاء ليخبرنا أن إبليس وجنوده سيتخذون النساء مطية عظيمة للضلال والإضلال وبالتالي إلى جهنم مثوى المتكبرين، يقول تعالى: {فَقُلْنَا يَا آدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى * إِنَّ لَكَ أَلا تَجُوعَ فِيهَا وَلا تَعْرَى * وَأَنَّكَ لا تَظْمَأُ فِيهَا وَلا تَضْحَى} [4] "أي فقلنا له عقب إبائه السجود: يا آدم إن إبليس عدو لك ولزوجك فلم يسجد لك وعصاني، فلا تطيعاه ولا يكونن سببًا لإخراجكما من الجنة، فتتعب في حياتك الدنيا في الأرض في تحصيل وسائل المعاش" [5] .
ونلاحظ هنا كيف بين الله سبحانه تبِعات تلك العداوة على البشر، فهي تقود إلى التعب والنصب والشقاء، وإن كان يوهم أتباعه بغير ذلك، وقد وضح القرطبي تلك التبعات وعلى من تقع عند تفسير هذه الآية فقال:"قيل: الإخراج واقع عليهما والشقاوة على آدم وحده، وهو شقاوة البدن، ألا ترى أنه عقبه بقوله: {إِنَّ لَكَ أَلا تَجُوعَ فِيهَا وَلا تَعْرَى} أي في الجنة، {وَأَنَّكَ لا تَظْمَأُ فِيهَا وَلا تَضْحَى} فأعلَمه أن له في الجنة هذا كله: الكسوة والطعام والشراب والمسكن وأنك إن ضيعت الوصية، وأطعت العدو أخرجكما من الجنة فشقيت تعبًا ونصبًا، أي جعت وعريت وظمئت، وأصابتك الشمس" [6] .
ولما كانت تلك العداوة بمنزلة من الشدة والظهور، بحيث لا ينفع معها قول الله: {وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى} [7] وبالتالي لا يجدي أو يثمر الإحسان كما في قوله تعالى: {ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ} [8] فتلك عداوة لا ولن تتحول أبدًا إلى ولاية مع المؤمنين، فالأمر أكبر من ذلك، فهي لعنة الله وغضبه منذ الأزل على من تكبر وكفر وطغى، وهي الرهان القائم إلى يوم الدين بين الشيطان والمؤمنين، ولأجل ذلك كله وصى رب العزة بأن تعامِل هذا العدو معاملة الند، فتتخذه عدوًا كما اتخذك هو من البداية عدوًا، ولكنها عداوة في الحق، وبغض في الله، لا فحش فيها ولا استكبار، لا ظلم فيها ولا طغيان، يقول تعالى: {إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ} [9] ، وقد بيّن ابن عاشور كيفية اتخاذ الشيطان عدوًا حيث قال:"وتلك عداوة مودعة في جبلته كعداوة الكلب للهر، لأن جبلة الشيطان موكلة بإيقاع الناس في الفساد وأسوأ العواقب، في قوالب محسنة مزينة، وشواهد ذلك تظهر للإنسان في نفسه وفي الحوادث حيثما عثر عليها، وأعقب الأمر باتخاذ الشيطان عدوًا بتحذير من قبول دعوته، وحثٌّ على وجوب اليقظة لتغريره، وتجنب"
(1) - التحرير والتنوير - لابن عاشور - ج 8 - ص 67.
(2) - سورة يوسف، الآية 5.
(3) - جامع البيان - للطبري - م 7 - ج 12 - ص 189.
(4) - سورة طه، الآيات 117 - 119.
(5) - التفسير المنير - للزحيلي - ج 16 - ص 296.
(6) - الجامع لآيات الأحكام - للقرطبي - ج 11 - ص 253.
(7) - سورة البقرة، الآية 237.
(8) - سورة فصلت، الآية 34.
(9) - سورة فاطر، الآية 6.