وإنما يأمرهم بالسوء من التصور والفعل، ويأمرهم بأن يحللوا ويحرموا من عند أنفسهم، دون أمر من الله، مع الزعم بأن هذا الذي يقولون هو شريعة الله ... والمطلوب هو أن يتلقى الناس ما يحل لهم وما يحرم من الجهة التي ترزقهم هذا الرزق، لا من إيحاء الشيطان الذي لا يوحي بخير لأنه عدوٌ للناس بين العداوة لا يأمرهم إلا بالسوء والفحشاء، والتجديف على الله والافتراء عليه دون تثبت ولا يقين" [1] ."
وقد كان آدم هو أول من تلقى التحذير الشديد من إبليس بعدما وقع منه من رفض السجود وعصيان الله، وقد كان من رحمة الله بالبشر أن بين لهم - في قصة الأكل من الشجرة - مدى كيد الشيطان بالإنسان وبغضه له، فلا يتركه حتى يوقعه في الموبقات، فها هو رب العزة يوجه اللوم الشديد لآدم على مخالفته أمره واتباعه وساوس الشيطان بالأكل من الشجرة، ويُضمّن هذا الزجر سببه فيقول: {فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ} [2] "فعطف جملة (وَأَقُلْ لَكُمَا) على جملة (أَنْهَاكُمَا) للمبالغة في التوبيخ، لأن النهي كان مشفوعًا بالتحذير من الشيطان الذي هو المغري لهما بالأكل من الشجرة، فهما قد أضاعا وصيته، والمقصود من حكاية هذا القول هنا تذكير الأمة بعداوة الشيطان لأصل نوع البشر فيعلموا أنها عداوة بين النوعين، فيحذروا من كل ما هو منسوب إلى الشيطان ومعدود من وسوسته، فإنه لمّا جُبل على الخبث والخزي كان يدعو إلى ذلك بطبعه فكان لا يهنأ له بال ما دام عدوه ومحسوده في حالة حسنة، والمبين: أصله المُظهر، أي للعداوة بحيث لا تخفى على من يتتبع آثاره ووسوسته وتغريره، وما عامل به آدم من حين خلقه إلى حين غروره به ففي ذلك كله إبانة عن عداوته، ووجه تلك العداوة أنَّ طبعه ينافي ما في الإنسان من الكمال الفطري المؤيد بالتوفيق والإرشاد الإلهي، فلا يحب أن"
(1) - في ظلال القرآن - لسيد قطب - ج 1 - ص 155.
(2) - سورة الأعراف، الآية 22.