أما إذا أردنا أن نتلمّس مقصدنا في إثبات هذا المذهب من آيات الكتاب العزيز، فهذا ظاهر في آخر سورة حيث يُثبت فيها الحق سبحانه أن الوسواس الخناس - الذي هو الشيطان بلا نزاع في معناه - هو من الجِنَّة كما هو من الناس على حد سواء: {مِن شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ * الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ * مِنَ الْجِنَّةِ وَ النَّاسِ} [1] .
ومن هؤلاء الشياطين إنسهم وجنهم تنبثق زمر من الشياطين المتخصصة بصفة من الصفات ومهمة من مهام الإغواء والإضلال، وها هي تلك الأصناف كما وردت في سياق آيات الحق سبحانه وتعالى:
(مَرَدَ) : المارد: العاتي، وتمرّد: أقبل وعتى، وقال ابن الأعرابي [2] المرْد: التطاول بالكبر والمعاصي، والمريد: الخبيث المتمرد الشرير [3] .
وهذه المعاني بمجملها تصدق على مجموعة من الشياطين اتصفت بالعتو وتجاوز الحد في المعصية وإن كانت تشترك مع بقية الشياطين في أصل الكفر بالله والتمرد على أوامره، ولكن هنا زيادة في التمرد والعصيان ولذلك فقد استحق رأس الشياطين إبليس عليه لعنة الله هذه الصفة حيث يقول رب العزة: {إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا} [4] .
ولربما يسأل سائل هنا عن فائدة وصف الشيطان بالمريد إن كان معنى المرْد هو مجاوزة الحد في المعصية وهو ما يحمله معنى الشيطان؟
والجواب يكمن في أن المرْد هو درجة متقدمة على الشيطان، فالشيطان هو البعيد عن الحق، أما المريد فذو البعد الكامل التام عن الحق، يقول الرازي:"أما المريد فهو المبالغ في العصيان الكامل في البعد من الطاعة ويقال له: مارد ومريد"
(1) - سورة الناس، الآيات 4 - 6.
(2) - هو: محمد بن زياد المعروف بابن الأعرابي أبو عبد الله، علامة باللغة، من أهل الكوفة، توفي سنة 231 هـ - الأعلام - للزركلي - ج 6 - ص 131.
(3) - لسان العرب - لابن منظور - ج 3 - 400
(4) - سورة النساء، الآية 117