الله حافظهم من ضرّ الشيطان، والمعنى أن الشيطان لا يضرّ المؤمنين بالنجوى أكثر من أنه يحزنهم [1] .
تنخر هذه الغاية الشيطانية في عضد أمة الإسلام، وتفتتها أيما تفتت، فهي التي تلقي اليأس، وتزرع القنوط في قلوب كثير من أبناء هذه الأمة، ولا يقتصر أمر التناجي بالإثم في هذا الزمان على الصورة المبسطة لهذا الإثم، وهو أن يتسارّ اثنان دون ثالث، أو أن تجلس مجموعة تتخافت بالحديث أمام المسلمين، بل يأخذ هذا التناجي شكلًا آخر منمقًا في عصر النفاق والخداع والتّزييف للحقائق، فتلك الاجتماعات السرّية التي يعقدها أعداء الله في شرق الأرض وغربها، ثم يخرجون على وسائل الإعلام يتحدثون عن توصيات سرّية وخطيرة وهامة لعلاج الوضع الراهن في الشرق الأوسط مثلاُ، إنما هي نجوى بالإثم بين آثمين يهدفون بالدرجة الأولى إلى ترهيب المسلمين منهم، فيظن المسلم أن الخطر قد أحدق به، وأنهم سيضربون بيد من حديد على كل من واجههم أو وقف في طريقهم، وأن العالم كله معهم وهكذا فيتسرب الضعف والخور إلى أنفس الكثير من الناس ويستسلموا لإرادة أعداء الله.
وقد تحدث سيّد قطب عن نوع ثانٍ من النجوى في عصرنا الحاضر، تلك هي النجوى الارتجالية بين أفراد الجماعة المؤمنة بعيدًا عن قيادتها حيث يقول:"ويبدو أن بعض المسلمين ممن لم تنطبع نفوسهم بعد بحاسة التنظيم الإسلامي، كانوا يجتمعون عندما تحزِب الأمور، ليتناجوا فيما بينهم ويتشاوروا بعيدًا عن قياداتهم، الأمر الذي تقرّه طبيعة الجماعة الإسلامية، وروح التنظيم الإسلامي، التي تقتضي عرض كل رأي وكل فكرة وكل اقتراح على القيادة ابتداءً، وعدم التجمُّعات الجانبية في الجماعات، كما يبدو أن بعض هذه التجمّعات كان يدور فيها ما قد يؤدي إلى البلبلة، وما يؤذي الجماعة المسلمة - ولو لم يكن قصد"
(1) - انظر: التحرير والتنوير - لابن عاشور - م 13 - ج 28 - ص 34، 35.