وهذه الخمر - علاوة على كونها تُذهِب العقل وتضر صاحبها - فهي تتسبب في إلحاق الضرر بالمجتمع، وتجر إلى كثير من الآثام والغايات الشيطانية كالقتل، والزنا، وإثارة الفتن في المجتمع وتمزيقه، وإيقاع العداوة والبغضاء بين الناس، وتدلنا قصة نزول هذه الآية على عظيم خطر الخمر على المجتمع فقد أخرج الطبري بسنده عن مصعب بن سعد، عن أبيه، أنه قال:"صنع رجل من الأنصار طعامًا فدعانا، قال: فشربنا الخمر حتى انتشينا، فتفاخرت الأنصار وقريش، فقالت الأنصار نحن أفضل منكم، قال: فأخذ رجل من الأنصار لحي جمل فضرب به أنف سعد ففزره، فكان سعد أفزر الأنف. قال: فنزلت هذه الآية {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ ... } [1] " [2] .
بالأمس كانت الخمر، واليوم تبدلت الأسماء وتلونت الأشكال، وما زال الجوهر واحدًا، وما زالت القاعدة الإسلامية النبوية ثابتة لا تتغير"فعن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"كل مسكر خمر وكل مسكر حرام" [3] ، وقد حدث على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - أن عرض له أمر تغيير الأسماء وتبدلها كما هو حالنا اليوم، فكان جوابه بالقاعدة السابقة"كل مسكر حرام"فعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - بعثه إلى اليمن فسأله عن أشربة تصنع بها فقال: وما هي؟ قال: البتع والمزر، فقلت لأبي بردة ما البتع؟ قال نبيذ العسل والمزر نبيذ الشعير، فقال كل مسكر حرام" [4] فينبغي أن يكون هناك معالجة لبعض الفكر الذي ينشأ في أذهان شبابنا بالنسبة للسموم البيضاء والمخدرات، والذي أتى عن طريق التلبيس الشيطاني الذي يحاول أن يغري شبابنا بالمضاء في هذا الطريق على أساس أن المخدرات أو أن هذه السموم البيضاء لم يأت النص عليها في القرآن ولا في السنة، وعجيب أن يكون المغري أو المُلبِس هو نفس العدو الذي كان يغري أولئك الذين كانوا يعاقرون الخمر في صدر الإسلام، وحينما نقرأ الآية الكريمة {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنْصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [5] ندرك أن الحديث عن الشيطان قديم، والحديث عن دور الشيطان ينبغي أن نظهره وأن نبرزه؛ لأن الفكر حينما يتلبس بإغراء الشيطان، وحينما ينخدع بإغراء الشيطان، فإن الواقع في براثن الإغراءات المختلقة، سواء تولاها بعده شياطين الإنس أم استمر في توليها شياطين الجن، فإن النتيجة ضارة ووخيمة" [6] ."
اللهو المحرم المفضي إلى الخصومة والتنازع، وحمل الضغينة في القلب، وإثارة البغضاء بين الناس، ذلك هو الميسر الذي جمعه الله سبحانه مع الخمر في آية واحدة إيذانًا بخطورته على المجتمع كما هو الخمر.
والميسر من اليُسْر: أي اللين والانقياد يكون ذلك للإنسان والفرس، والميسِر: السعة والغنى، واليُسر ضد العُسر، والميسر هو قمار العرب بالأزلام [7] .
إذًا فالميسر هو القمار الذي نعرفه اليوم على صورة ما من صوره المختلفة يقول ابن عباس:"الميسر القمار، كان الرجل في الجاهلية يخاطر على أهله وماله، فأيهما قمر صاحبَه ذهب بأهله وماله، وعن الحسن: الميسر: القمار" [8] ، فهذه التي وصف ابن عباس، صورة من صور القمار كانت موجودة في الجاهلية، وقد انتقلت هذه الصورة بفعل الشيطان عبر الزمان حتى وصلت إلى
(1) - أخرجه مسلم في صحيحه بنحوه، وفي الباب بيان أن سعدًا هو ابن أبي وقاص - موسوعة الحديث الشريف - الكتب الستة - صحيح مسلم - كتاب فضائل الصحابة - باب: فضل سعد بن أبي وقاص - ح 6283 - ص 1103 وهو جزء من حديث طويل.
(2) - جامع البيان - للطبري - م 5 - ج 7 - ص 46.
(3) - موسوعة الحديث الشريف - الكتب الستة - صحيح مسلم - كتاب الأشربة - باب: أن كل مسكر خمر وأن كل خمر حرام - ح 5218 - ص 1063.
(4) - موسوعة الحديث الشريف - الكتب الستة - صحيح البخاري - كتاب المعازي - باب: بعث أبي موسى ومعاذ إلى اليمن قبل حجة الوداع - ح 4343 - ص 355.
(5) - سورة المائدة، الآية 90.
(6) - مجلة منبر الإسلام - السموم البيضاء رجس من عمل الشيطان - محمد الأحمدي أبو النور - العدد 4 ص 2 - سنة 1406.
(7) - لسان العرب - لابن منظور - ج 5 - ص 295 - 300.
(8) - جامع البيان - للطبري - م 2 - ج 2 - ص 475.