فهرس الكتاب

الصفحة 141 من 285

كل ما سبق من وصف للوسوسة يتعلق بشياطين الجن، فهم مَن لديهم القدرة على الجري من ابن آدم مجرى الدم في العروق، وهم مَن يجثم على قلب الإنسان كما ذكر ابن عباس، ولكن هل يوسوس شيطان الإنس؟ من البديهي أن شياطين الإنس لا يستطيعون شيئًا مما سبق، ولا ينطبق عليهم المعنى المباشر للوسوسة، التي هي حديث النفس والهمس فيها، بل حديثهم لغيرهم مباشر واضح وبعد كل ذلك نقف، أمام قوله تعالى {مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ * الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ * مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ} [1] فالآيات صريحة في أن الوسواس الخناس هو من الناس كما هو من الجِنة، فوسوسة الإنس لبعضهم ثابتة إذًا، ولكن كيف تكون؟

وقد كفانا الأستاذ عبد الحمن حبنكه الميداني مؤنة الإجابة عن هذا السؤال حيث يقول:"وقد وُصف الشيطان بأنه خناس، لأنه يخنس كلما ذكر العبد ربه ... كذلك يفعل شياطين الإنس، بل شياطين الإنس أشد خطرًا واعظم ضررًا من شياطين الجن، فشيطان الإنس يوسوس بالأقوال التي تمرّ عن طريق الفكر، حتى تصل إلى مراكز الانفعالات والعواطف والشهوات والأهواء في الصدر، وحين يستجيب الإنسان بإراداته إلى هذه الوساوس فإنه تُنتِج سلوكًا منحرفًا يجلب الشر والضر للإنسان" [2] .

لم يكتف شياطين الجن وشياطين الإنس بالوسوسة في صدور أعدائهم وما تحدثه من ضرر كبير في قلب من ابتعد عن تحصينه بالإيمان، بل إن شياطين الإنس خاصة أكسبوا تلك الوسوسة لباس الرهبة والتخويف فهذا فرويد [3] كبير

(1) 1 - سورة الناس، الآيات 4، 6.

(2) 2 - معارج التفكر - للميداني - ج 2 - ص.

(3) - ولد سيجموند فرويد في 6 مايو 1856 م في مدينة فريبورج بمقاطعة مورافيا بتشيكوسلوفاكيا الحالية من والدين يهوديين.

-... استقرت أسرة أبيه في"كولونيا"بألمانيا زمنًا طويلًا، نشأ يهوديًا، وأصدقاؤه من غير اليهود نادرون إذ كان لا يأنس لغير اليهود ولا يطمئن إلا إليهم. دخل الجامعة عام 1873 م وكان يصر على أنه يرفض رفضًا قاطعًا أن يشعر بالدونية والخجل من يهوديته. لكن هذا الشعور الموهوم بالاضطهاد ظل يلاحقه على الرغم من احتلاله أرقى المناصب، انضم عام 1895 م إلى جمعية (بناي برث) أي أبناء العهد وهذه التي لم تكن تقبل في عضويتها غير اليهود، وكان حينها في التاسعة والثلاثين من عمره، وقد واظب على حضور اجتماعاتها على مدى سنوات، كما ألقى فيها محاضراته عن تفسير الأحلام، أسس في فيينا مركز دائرة علمية، واتصل به أناس من سويسرا وأوروبا عامة، مما أدى إلى انعقاد المؤتمر الأول للمحللين النفسيين سنة 1908 م إلا أن هذه الدائرة لم تدم طويلًا إذ انقسمت على نفسها إلى دوائر مختلفة، وقد بنى أسس مدرسته النفسية على أمور ثلاث: الجنس والطفولة والكبت، غادر إلى لندن ليقضي أيامه الأخيرة فيها مصابًا بسرطان في خده وقد أدركته الوفاة في 23 سبتمبر 1939 - موقع موسوعة العقائد والأديان على شبكة الإنترنت - www.aklaam.net/ency/encfroid.htm .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت