فهرس الكتاب

الصفحة 237 من 285

ويفسر البغوي هذا الخسران في الدنيا بأنه الذل حيث يقول:"أي هم في جملة من يلحقهم الذل في الدنيا والآخرة" [1] ، وهذا الخسران ظاهر في دنياه وآخرته بسبب تولّي الشيطان باتباع أوامره واتخاذه إمامًا يُقتدى به [2] .

ثانيًا: الحيرة والتخبط:

وكما ألقى الشيطان أولياءه في مراتع الشِقوة، فأنهك أبدانهم في إدراك ما لا يُدرك، فهو أيضًا لم يترك عقولهم وأرواحهم في معزل عن كيده، فاتباع الشيطان، والانخراط في جند إبليس، يؤول بالمتَّبع إلى حيرة تهوي به في غيابة الشك والتمزق النفسي، وهذا ما يصوّره كتاب الله - عز وجل - في قوله: {قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُنَا وَلا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ} [3] "هذا الإيقاع القوي بحقيقة الألوهية وخصائصها، واستنكار الشرك والعودة إليه بعد الهدى، ومشهد الذي يرجع القهقرى مرتدًا عن دين الله وحيرته في التيه بلا اتجاه، وبتقرير أن هدى الله وحده هو الهدى، هذا الإيقاع يُختم برنة عالية عميقة مدوية عن سلطان الله المطلق في الأمر والخلق ... إنه مشهد حيٌّ شاخص متحرك للضلالة والحيرة التي تنتاب من يشرك بعد التوحيد، ومن يتوزع قلبه بين الإله الواحد والآلهة المتعددة من العبيد، وبتفرق إحساسه بين الهدى والضلال فيذهب بالتيه، إنه مشهد ذلك المخلوق التعيس الذي استهوته الشياطين في الأرض، ولفظ الاستهواء لفظ مصوِّر بذاته لمدلوله، وبالتيه يُتْبَع هذا الاستهواء في اتجاهه فيكون له اتجاهًا ولو في طريق الضلال، ولكن هناك من الجانب الآخر أصحاب له مهتدون يدعونه وينادونه ائتنا، وهو بيْن هذا الاستهواء وهذا الدعاء حيران، لا يدري أين يتجه، ولا أي الفريقين يجيب، إنه العذاب النفسي يرتسم ويتحرك حتى ليكاد يُحسُّ ويُلمَس من خلال"

(1) - معالم التنزيل - للبغوي - ج 5 - ص 355.

(2) - انظر التفسير المنير - ج 5 - ص 277.

(3) - سورة الأنعام، الآية 71.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت