أما عند العرب فتبتيك آذان الآنعام قد أخذ شكلًا تعلق بالأنعام التي حرموها افتراءً على الله، فعن السدي وقتادة:"يبتكن آذان الآنعام: فيشقونها فيجعلونها بحيرة [1] " [2] ويقول الطبري:"والبتك: القطع، وهو في هذا الموضع قطع أذن البحيرة، وإنما أراد بذلك الخبيث أن يدعوهم إلى البحيرة فيستجيبون له ويعملون بها طاعة له" [3] ، ويوضح كلام الطبري مراد الشيطان من هذا التبتيك وعلة تحريمه من قبل الله تعالى، فهي علامة يقيمونها على ما افتروا على الله تحريمه من الإبل بوحي من الشيطان، كما مرّ معنا عند الحديث عن غاية القول على الله بغير الحق، إذًا فهو تغيير يُقصد منه إقامة شرع الطاغوت وإظهاره.
وينتقل الشيطان في توعده من الخاص إلى العام، ومن الحديث عن مثال كان شائعًا عند العرب إلى قاعدة عامة يبغيها لكل خلق الله، ذلك هو تغيير خلق الله.
وقد ورد في معنى تغيير خلق الله عدة أقوال، فعن ابن عباس:"أنه الإخصاء، وعنه أيضًا: دين الله، وروي عن مجاهد وعكرمة في أحد قوليه وإبراهيم النخعي والحكم والحسن والسدي وقتادة والضحاك في الرواية الثانية وعطاء الخراساني نحو ذلك، وعن الحسن: الوشم" [4] ، فهذه الأقوال تتوزع بين خصاء البهائم، والوشم، وتغيير دين الله، وأولى الأقوال فيه وأشملها هو ما اختاره الطبري حيث يقول:"وأولى الأقوال بالصواب في تأويل ذلك من قال: دين الله، وذلك لدلالة الآية الأخرى على أن ذلك معناه، وهي قوله: {فِطْرةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ} [5] " [6] .
إذًا فالتبتيك مثال على تغيير المحسوسات، فيدخل فيه ما قالوا من الخصاء والوشم وغيرها، أما تغيير خلق الله فشامل عام ينطبق عليه معنى دين الله، وهو الأخطر الذي يسعى الشيطان إلى تحقيقه في أعدائه، يقول الشنقيطي"قال بعض العلماء معنى هذه الآية أن الشيطان يأمرهم بالكفر وتغيير فطرة الإسلام التي خلقهم الله عليها" [7] ، وفي ذلك يقول النبي - صلى الله عليه وسلم"ألا إن ربي أمرني أن أعلمكم ما جهلتم مما علمني يومى هذا كل مال نحلته عبدا حلال وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم وحرمت عليهم ما أحللت لهم وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا ... الحديث" [8] .
مراد الشيطان من تغيير خلق الله:
يتضح من الآية السابقة أن الشيطان يسعى إلى حمل مخالفيه على خلاف ما فطرهم الله عليه وأراده لهم، فتبتيك آذان الأنعام، إذا أخذ مجردًا عن علائقه وأسبابه، واقتصر على مجرد شقِّ أذن الناقة، لما اكتسب تلك الحرمة، ولما صار غاية يرومها الشيطان في أعدائه، كذا الأمر في تغيير خلق الله، الذي هو فطرته ودينه، فالشيطان إذ يسعى إلى تحقيق هذه الغاية، إنما يريد من وراء ذلك محاربة دين الله وفطرته، وحمل الناس على مخالفة أوامر الله - سبحانه وتعالى -، وانطلاقًا من هذا الفهم أجاز العلماء خِصاء البهائم، الذي أُدخِل عمومًا في تأويل تغيير خلق الله عند التابعين، يقول الشنقيطي:"أما خصاء البهائم فرخص فيه جماعة من أهل العلم، إذا قُصدت به المنفعة، إما لسِمن أو غيره، وجمهور العلماء على أنه لا بأس أن يُضحى بالخصّيِّ، واستحسنه بعضهم إذا كان أسمن"
(1) - البحيرة: بحَرْتُ أذن الناقة: شققتها وخرقتها، وكانت العرب تفعل بالناقة والشاة ذلك إذا نتجتا عشرة أبطن فلا يُنتفع منهما بلبن ولا ظهر، وتترك البحيرة ترعى وترد الماء، ويُحرم لحمها على النساء ويُحلل للرجال - لسان العرب - لابن منظور - ج 4 - ص 43.
وكانوا إِذا تابعت الناقة بين عشر إِناث لم يُرْكب ظهرُها، ولم يُجَزّ وبَرُها، ولم يَشْرَبْ لَبَنَها إلا ضَيْفٌ، فتركوها مُسَيَّبَة لسبيلها وسمَّوها السائبة، فما ولدت بعد ذلك من أُنثى شقوا أُذنها وخلُّوا سبيلها، وحرم منها ما حرم من أُمّها،- لسان العرب - ج 4 - ص 43.
(2) - تفسير القرآن العظيم - لابن أبي حاتم - ج 4 - ص 1069.
(3) - جامع البيان - للطبري - م 4 - ج 5 - ص 362.
(4) - تفسير القرآن العظيم - لابن أبي حاتم - ج 4 - ص 1070.
(5) - سورة الروم، الآية 30.
(6) - جامع البيان - للطبري - م 4 - ج 5 - ص 367.
(7) - أضواء البيان - للشنقيطي - ج 1 - ص 245.
(8) - موسوعة الحديث الشريف - الكتب الستة - صحيح مسلم - كتاب الجنة وصفاتها ونعيمها وأهلها - باب: الصفات التي يعرف بها في الدنيا أهل الجنة - ح 7207 - ص 1174 وهذا جزء من حديث طويل.