ليس المطلوب من المستجير بالله أن يردد كلمات الاستعاذة بحيث لا تتجاوز لسانه فقط، فهذا إنسان فقد معنى هذه الاستعاذة، فالاستعاذة - كما بيَّنا قبل - طلب الحماية من الله، واللجوء إليه، وهذا لا يكون إلا إذا طابق لسان مقال المستعيذ لسان حاله، ذلك أن المطلوب من المستجير بربه أن يملأ ذكرُ الله صدره وقلبه وكيانه بحيث يضيق على الشيطان مجراه في العبد، فيربطه ويمنعه من الوسوسة بالباطل، فإذا طلب العبد من ربه أن يجيره من الشيطان الرجيم بقوله (أعوذ بالله من الشيطان الرجيم) فعليه أن يلبي طلب من يجيره بالتزام أوامره واجتناب نواهيه وهذا ما تبيّنه الآيتان الكريمتان: {فَإِذَا قَرَاتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ * إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} [1] ، فالاستعاذة يجب أن تقود بدورها إلى السلاح الأقوى الذي سنذكر في أدوية محاربة الشيطان وولايته، وقد ارتبطت حرب الشيطان بلزوم الاستغفار المذهِب للذنوب كما في الحديث فعن أبي سعيد الخدري قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"إن إبليس قال لربه بعزتك وجلالك لا أبرح أغوي بني آدم ما دامت الأرواح فيهم، فقال الله فبعزتي وجلالي لا أبرح أغفر لهم ما استغفروني" [2] .
لا يقف هذا السلاح الرباني عند حدّ لفظة الاستعاذة بالله من الشيطان، بل إن الأمر يتعدى ذلك إلى دائرة أوسع تضمّ كل لفظ من شأنه أن يجلب رحمة الله وحفظه وبركته على العبد، فالذكر بابٌ واسع في شريعة الإسلام، وألفاظه كثيرة تتنوَّع بين تسبيح، وتهليل، وحمد، وتكبير، وحوقلة، واستغفار، وغيرها، فهذه كلها ألفاظ وهيئات قولية يحقق قائلها معنى الاستعاذة، إذ يحصل بقولها اللجوء إلى الله والاحتماء به، ويقرر المولى عز وجل أن أحد أهداف الشيطان إنساء العبد ذكرَ الله تعالى، فيفتحُ عليه بهذا الإنساء أبواب الشيطان، يقول تعالى اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ
(1) - سورة النحل، الآيتان 98، 99.
(2) - مسند الإمام أحمد - ج 3 - ص 29 - ح 11262.