فهرس الكتاب

الصفحة 166 من 285

الحديث يقرر أن يوسف - عليه السلام - نسي ذكر ربه فكان ذلك سببًا في طول مُكثه في السجن.

هذه خطوة، لطالما، أوقعت عبادًا لله في شَرَك البعد عنه ونسيان فرائضه وقد تولّى كِبَر هذه الخطوة في عصرنا هذا شياطين الإنس بما لهم من دويّ عجيب على أصدقائهم، وهم يتسللون إلى ذلك المأرب من باب الرفقة والصحبة فكم من صديق ألهى صديقه عن ذكر الله، وأغفله عن حدوده، وقد اتخذت هذه الظاهرة شكلًا منظمًا في العقود الأخيرة، فأُنشأت لأجلها المؤسسات والجمعيات ودور الشباب مِمَّن يعمدون إلى شغل أوقات فراغ الشباب عن ذكر الله، وتضييعها في ما يغضب الله - عز وجل -، فيجب على كل إنسان أن يحذر من هذه الخطوة أشد الحذر ولا ينزلق في متاهاتها، ورائده في ذلك الرفقة الطيبة، والبعد عن كل ما من شأنه أن يلهيه عن ذكر الله، ولذا نوصي الشباب خاصة بعدم النشأة على مائدة الوِحدة كي لا يكونوا أكثر عرضة للانجراف في تيارات شياطين الإنس، بل عليهم أن يلزموا الرفقة الصالحة فالمرء بإخوانه.

المطلب الثالث: التمنية والإملاء:

ويستمر الشيطان في نصب حبائله لأعدائه بخطوة تلو الأخرى، أو بمجموعة من الخطوات معًا، بحسب ما يقتضيه حال عدوه، فهو يزيّن ويُنسي، وها هو يربط عباد الله من الجن والإنس بأكذوبة كبرى هي خديعة الخلود قبل البعث، تلك الحقيقة التي لا ينكرها أدنى الخلق في قرارة نفسه، ولكنّ الشيطان يتخذ إلى إيقاعها في النفس سبيل التمنية وبناء الأحلام الكاذبة في نفوس الخلائق

الذين يجد إلى نفوسهم سبيله من مدخل حبّ الخلود والمُلك.

وقد وقع كثير من الخلق في شباك هذه الخطوة الشيطانية، فأحبوا الدنيا وعملوا لها وفيها عمل الخالد الملازم لها، وتركوا في المقابل العمل لآخرتهم، وقد بيّن الحق سبحانه أن هذا الإملاء والتسويف هو من فعل الشيطان يقول تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ} [1] " (وأملى لهم) أي ومدّ لهم الشيطان في الأماني والآمال، ومعنى المدّ فيها: توسيعها وجعلها ممدودة في نفسها أو بزمانها بأن يوسوس لهم بأنكم تنالون في الدنيا كذا وكذا مما لا أصل له حتى يعوقهم عن العمل، وأصل الإملاء: الإبقاء ملاوة من الدهر أي برهة، ومنه قيل: المعنى وعَدهم بالبقاء الطويل" [2] .

والشيطان - كما ذكرنا - يتبع في بلوغ هذه الغاية وتحصيلها في قلب الإنسان سبيل التمنية بالباطل، فهو ما يفتؤ يعظِّم الدنيا في قلوب البشر، يهيئ لهم أنها الفوز العظيم حتى ينجرفوا فيها ويقعوا في سلسلة خطواته الموصلة إلى الغفلة عن الحق ومرض القلب والكفر بالله والموت على ذلك، وقد توعد اللعين بهذه الخطوة أن يسوم بها أعداءه فقال: {وَلأُضِلَّنَّهُمْ وَلأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الأَنْعَامِ وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا * يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلا غُرُورًا} [3] "إنهم يدعون الشيطان -عدوهم القديم - ويستوحونه ويستمدون منه هذا الضلال، ذلك الشيطان الذي لعنه الله، والذي صرح بنيته في إضلال بني آدم إلا المخلصين منهم، وتمنيتهم بالأمنيات الكاذبة في طريق الغواية، من لذة كاذبة، وسعادة موهومة، ونجاة من الحساب في نهاية المطاف"إنها حالة استهواء معينة هي التي يزين فيها الشيطان للإنسان سوء عمله، فيراه حسنًا، ويعده السبق والسعادة في طريق المعصية فيعدو معه في الطريق، ويمنيه النجاة من عاقبة ما يعمل، فيطمئن ويمضي في طريقه إلى المهلكة، وحين يرتسم المشهد على هذا النحو، والعدو القديم يفتل الحبال ويضع الفخّ، ويستدرج الفريسة، ولا تبقى إلا الجبلاّت

(1) - سورة محمد، الآية 25.

(2) - روح المعاني - للألوسي - ج 14 - ص 112.

(3) - سورة النساء، الآية 119، 120.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت