نفوسهم، ألم تر أن الله وصفهم في الآية التي قبلها فقال: {وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ} [1] ، فلمّا رأى إبليس منهم عجبهم بأنفسهم وبطرهم أتاهم من هذا الباب فزيّن لهم قوتهم، وأكذبهم النصيحة بوسواسه في صدورهم"فحسّن لهم - لعنه الله - ما جاءوا له وما همّوا به وأطمعهم أنه لا غالب لهم اليوم من الناس" [2] ، وأينما وقعت عينك على تزيين للشيطان في كتاب الله وجدت رائده الكذب والتدليس، وأول ذلك الكذب تزيين الشيطان الأكل من الشجرة لآدم وزوجة، فقد أخبرهما أنهما ما نُهيا عن الأكل من هذه الشجرة إلا خوفًا من أن يكونا ملكين، أو من أن يخلدا { ... وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ} [3] .
وبعد أن يزين الشيطانُ الباطلَ في قلب العبد، وينفره من الحق، قد لا يستقر هذا التزيين في قلبه تمام الاستقرار، فيجد في نفسه شيء من هذا التزيين، وكأنما لم يُحبك على أشدّه، فيلجأ الشيطان في مثل هذه الحالات إلى أداة أخرى من أدوات التزيين يزيل بها الريب عن هذا القلب، تلك الأداة هي الوعد الكاذب والحلف له بالله.
وأول ما وقع من ذلك هو الحلف والإقسام بالله لآدم وزوجه على صدق ما زيّن لهما، وإنما أتى بالقسم هنا لمعرفته بحال آدم وزوجه من الثقة الكاملة بالله فأتاهما من هذا الباب يقول تعالى: {وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ} [4] "وقاسمهما أي حلف لهما بالله إني لكما لمن الناصحين، فإني من قبلكما ها هنا وأعلم بهذا المكان، وهذا من باب المفاعلة والمراد أحد الطرفين، وقال قتادة في"
(1) - سورة الأنفال، الآية 47.
(2) - تفسير القرآن العظيم - لابن كثير - ج 7 - ص 99.
(3) - سورة الأعراف، الآية 20.
(4) - سورة الأعراف، الآية 21.