وبعد هذا العرض المخيف للشيطان المتكبر اللعين الطاغية العاصي المجرم، يطمئن الله عباده المتمسكين بالحق بأن هذا الشيطان على كل ما أوتي من طغيان، ضعيف أمام الحق لا يستطيعه ولا يقدر على أتباعه المتمسكين به مهما أوتي من كيد ومكر وخداع يقول الحق سبحانه وتعالى: {إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا} [1] وكيده:"ما كاد به المؤمنين من تحزيبه أولياءه من الكفار بالله على رسوله وأوليائه أهل الإيمان. فلا تهابوا أولياء الشيطان فإنما هم حزبه وأنصاره، وحزب الشيطان أهل وهن وضعف" [2] .
وقد بيّن تعالى بشكل لا يقبل الريب أن الباطل زاهق لا محالة وأنه لا يستطيع هزيمة الحق، بل لا يستطيع أن يفعل شيئًا في هذه الدنيا بدون إرادة الله يقول تعالى: {وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ} [3] "والباطل: إبليس، أي: ما يخلق إبليس أحدًا ولا يبعثه" [4] ، وهذا الباطل الذي هو إبليس وجنده زهوق أمام الحق كما أخبرنا ربنا في قوله {وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا} [5] قال قتادة:"الحق: القرآن، وزهق الباطل: هلك، وهو الشيطان" [6] .
ولما كان الشيطان بمثل هذا الضعف والهوان، ولما كان كل ما يقوم به زور وبهتان، كانت حبائله أمام الحق قصيرة، وكانت مكائده للمؤمنين ضعيفة، فإذا جد الجد، وظهر الحق، نكص على عقبيه، لأنه يعلم ما لا يعلمه أتباعه المغَرَّرين.
ولقد بيّن الله تعالى لنا صورتين لهذا الخذلان إحداهما في الدنيا والأخرى في الآخرة:
الصورة الأولى:
تلك هي صورته القبيحة وهو يخذل المشركين في معركة بدر الكبرى بعد أن أوقعهم فيما يريد من الوقوف أمام الحق وأتباعه يقول تعالى: {وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ} [7] وكفى بالآية وصافًا لهذا الخذلان.
الصورة الثانية:
وهي يوم المشهد العظيم إذ يتبرأ الشيطان تبرءًا تامًا من كل أتباعه ويخذلهم يقول تعالى واصفًا هذا المشهد {وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [8] "يخبر تعالى هنا عما خاطب به إبليس أتباعه بعدما قضى الله بين عباده فأدخل المؤمنين الجنات وأسكن الكافرين الدركات، فقام فيهم إبليس لعنه الله، يومئذ خطيبًا، ليزيدهم حزنًا إلى حزنهم، وحسرة إلى حسرتهم، فقال: إن الله وعدكم وعد الحق على ألسنة رسله، ووعدكم في اتباعهم النجاة والسلامة ... وأما أنا فوعدتكم فأخلفتكم، كما قال الله تعالى {يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا} [9] " [10] .
وقد جلّى الحق سبحانه هذه الحقيقة في قوله تعالى: { ... وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا} [11] "والشيطان يوسوس ويغري بالكفر والشرك والمعصية، ثم يخذل أتباعه، والخذل: الترك من الإعانة، والبرء من فعله."
(1) - سورة النساء، الآية 76
(2) - جامع البيان - للطبري - م 4 - ج 5 - ص 223
(3) - سورة سبأ، الآية 49
(4) - جامع البيان - للطبري - م 12 - ج 22 - ص 129
(5) - سورة الإسراء، الآية 81
(6) - جامع البيان - للطبري - م 9 - ج 5 - ص 178
(7) - سورة الأنفال، الآية 48.
(8) - سورة إبراهيم، الآية 22.
(9) - سورة النساء، الآية 120.
(10) - تفسير القرآن العظيم - لابن كثير - ج 8 - ص 192، 193
(11) - سورة الفرقان، الآية 29.