فهرس الكتاب

الصفحة 236 من 285

أما بقية شياطين الجن والإنس ومن تبعهم في الدنيا، فقد توعّدهم الله بعواقب تصيبهم جراء جرمهم، فهذا من قبيل ترتيب الأسباب على المسببات، وليس من قبيل لعنة حلّت عليهم، أو غضبٍ نزل بهم، فباب التوبة مفتوحٌ لهم أجمعين إلى أن تخرج أرواحهم من أجسادهم، وتلك العواقب هي:

أولًا: الشقاء وخسران الدنيا:

يرد الشقاء في كتاب الله على معنيين: أولهما شقاء عام أصاب كل بني آدم نتيجة خروج أبويهما من الجنة، وثانيهما شقاء خاصّ بأولئك الذين اتبعوا نهج إبليس فوقعوا في تلك العاقبة.

أما العام فيتحدث عنه قوله تعالى مخاطبًا آدم وزوجه: {إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى} [1] ،"أي إياك أن يسعى في إخراجك منها فتتعب وتعنى وتشقى في طلب رزقك، فإنك هاهنا في عيش رغيد هنيء لا كلفة فيه ولا مشقة" [2] .

أما الشقاء المقصود هنا فهو الشقاء بمعناه الخاص، والذي هو نصيب الشيطان وأوليائه، أولئك الذين أعرضوا عن منهج الله، وتركوا هداه، وانسلّوا في طرائق الشرّ والطغيان، يكيدون ويمكرون ويُغوون ويضلون، أولئك هم الذين يذكرهم رب العزة في سياق آيات طه بعد الآية السابقة حيث يقول: { ... فَإِمَّا يَاتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى * وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا} [3] فهذا بيان من الحق سبحانه لطريقين لا ثالث لهما: إما طريق هدى الله، أو طريق إبليس الذي أخرج أبوي البشر من الجنة حيث لا شقاء ولا تعب ولا ضلال، ويبيّن ابن كثير هذا الشقاء المذكور في الآية فيقول:" (وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي) أي خالف أمري وما أنزلت على رسولي، أُعرِضُ عنه وأتناساه، وله معيشةٌ ضنكٌ في الدنيا؛ فلا طمأنينة له ولا انشراح لصدره، بل صدره ضيقٌ حرجٌ لضلاله، وإن تنعم ظاهره ولبس ما شاء وأكل ما شاء وسكن حيث شاء، فإن قلبه ما يخلص إلى اليقين والهدى، فهو في قلق وحيرة وشك، فلا يزال في ريبه يتردد، فهذا من ضنك المعيشة ... فعن ابن عباس (فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا) : الشقاء، وقال الضحاك: هو العمل"

السيء والرزق الخبيث، وكذا قال عكرمة ومالك بن دينار" [4] ."

هذا هو الشقاء الذي توعّد به الله أتباع الشيطان، ولصاحب الظلال في وصف هذا الشقاء - وهو يعبر عما يرى في عصرنا الحاضر - كلمات طيبة جميلة أسوقها هنا مكتفيًا بها عن غيرها فجزى الله كاتبها خير الجزاء:"ومن اتبع هدى الله فهو نجوة من الضلال والشقاء في الأرض، وفي ذلك عوضٌ عن الفردوس المفقود حتى يؤوب إليه في اليوم الموعود، والحياة المقطوعة الصلة بالله ورحمته الواسعة ضنكٌ مهما يكن فيها من سعة ومتاع، إنه ضنك الانقطاع عن الاتصال، بالله والاطمئنان إلى حماه، ضنك الحيرة والقلق والشك، ضنك الحرص والحذر الحرص على ما في اليد والحذر من الفوت، ضنك الجري وراء بريق المطامع، والحصرة على كل ما يفوت، وما يشعر القلب بطمأنينة الاستقرار إلا في رحاب الله، وما يحس راحة الثقة إلا وهو مستمسك بالعروة الوثقى التي لا انفصام لها، إن طمأنينة الإيمان تضاعف الحياة طولًا وعرضًا، وعمقًا وسعة، والحرمان منه شقوة لا تعادلها شقوة الفقر والحرمان" [5] .

هذا هو الشقاء والضنك، أما الخسران الذي يجنيه الشيطان وأتباعه فيقرره تعالى في غير آية فيقول: { ... وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا} [6] ، ويقول أيضًا: {اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنْسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ} [7] ،

(1) - سورة طه، الآية 117.

(2) - تفسير القرآن العظيم- لابن كثير - ج 9 - ص 373. .

(3) - سورة طه، الآيتان 123، 124.

(4) - تفسير القرآن العظيم - لابن كثير - ج 9 - ص 377.

(5) - في ظلال القرآن - ج 4 - ص 2355.

(6) - سورة النساء، الآية 119.

(7) - سورة المجادلة، الآية 19.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت