[1] ، وتستمر الآيات في الحديث عن أُحُدٍ، وتركز على قضية الأجل، والخوف من الموت، ثم تنتهي بآية خاتمة فيها جماع ذلك الأمر كله، آية فيها قصرٌ يلف ذلك النشر كله في حصرٍ {إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [2] ومفهوم هذا القصر: أي ما كان منكم من خوف من الموت إذا خرجتم إلى المعركة، وما كان منكم من تخلف عن الجهاد خشية الموت، وما كان منكم من تثبيط لإخوانكم عن الخروج، وما كان منكم من تهكم على الشهداء الذين ضيعوا حياتهم بزعمكم ... كل ذلك إنما هو فقط، وحصرًا، من الشيطان وبسبب وساوسه وتسويله، فهو الذي يقذف في قلوبكم حب الدنيا ويخوّفكم من مفارقتها، يقول الرازي:"الشيطان خبر (ذلكم) بمعنى: إنما ذلكم المثبِّط هو الشيطان (يخوف أولياءه) جملة مستأنفة بيان لتثبيطه ... أما قوله تعالى (يخوف أولياءه) ففيها ثلاثة أوجه أحدها: أن معنى الآية: يخوف أولياءه المنافقين ليقعدوا عن قتال المشركين، والمعنى: الشيطان يخوف أولياءه الذين يطيعونه ويؤثرون أمره، فأما أولياء الله، فإنهم لا يخافونه إذا خوّفهم ولا ينقادون لأمره ومراده منهم، وهذا قول الحسن والسدي" [3] .
تبرز هذه الخطوة في الأوقات التي تشتد فيها الحرب على دين الله وتتمزق أوصال أمة الإسلام، وتُدخَل عليهم ديارهم من أقطارها، فحينها يبدأ المسلمون المخلصون الصادقون برفع لواء الجهاد في سبيل الله للذود عن حياض هذا الدين فيكثر الاستشهاد في سبيل الله، وحينها فقط ينشط عدو الله إبليس حاملًا معه تلك الخطوة مخوفًا المسلمين من عواقب الانخراط في صفوف المجاهدين، ومخوفًا إياهم من تبعة الوقوف أمام الباطل من فقد للمال وضيق في الحياة، يقول سفيان الثوري:"ليس للشيطان سلاح مثل خوف الفقر فإذا قُبل ذلك منه أخذ في الباطل"
(1) - سورة آل عمران، الآية 152.
(2) - سورة آل عمران، الآية 175.
(3) - التفسير الكبير - للرازي - ج 5 - ص 83.