فهرس الكتاب

الصفحة 73 من 285

منه آدم وهو الطين، فجهِل عدو الله وجه الحق، وأخطأ سبيل الصواب، إذ كان معلومًا أنّ من جوهر النار: الخفة والطيش والاضطراب والارتفاع علوًا، والذي في جوهرها من ذلك هو حمل الخبيث بعد الشقاء الذي سبق له من الله في الكتاب السابق، على الاستكبار عن السجود لآدم والاستخفاف بأمر ربه، فأورثه العطب والهلاك" [1] ."

وبسبب هذا القياس الفاسد المبني على العجب بالنفس، والاستكبار عن الحق، والعلو على أوامر الله نشأ العداء في نفس إبليس لهذا المخلوق الذي كرّمه الله تعالى، فتوعّد إبليس - عليه لعنة الله - آدم وذريته من بعده بالحرب والعداء الشديد، كي تكون نهايتهم كنهايته، جهنّم وبئس المصير، يقول تعالى حكاية عن هذا اللعين: {قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا * قَالَ اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَوْفُورًا} [2] "ينبه تبارك وتعالى عباده على شدّة عداوة الشيطان وحرصه على إضلالهم، وأنه لمّا خلق الله آدم استكبر عن السجود له وقال متكبرًا: {أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا} أي: من طين، وبزعمه أنه خير منه لأنه خلقه من نار" [3] .

وقد ذكر ابن كثير كلامًا طيبًا عن تلك العداوة وأصلها بين إبليس وآدم وذريته ومما جاء فيه"يذكر تعالى عداوة إبليس - لعنه الله - لآدم - عليه السلام - وذريته، وأنها عداوة قديمة مذ خلق الله آدم، فإنه تعالى أمر الملائكة بالسجود، فسجدوا كلهم إلا إبليس أبى أن يسجد له افتخارًا عليه، واحتقارًا له، {قَالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا} كما قال في الآية الأخرى {قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ} [4] ، وقال أيضًا: (أرأيتك) يقول للرب جراءة وكفرًا، والرب يحلم ويُنظِر" [5] .

المطلب الثاني: عداوة الشيطان وذريته للبشر:

وكما كان الاستكبار والعلو هو أصل تلك العداوة بين آدم وذريته من جهة وإبليس من جهة أخرى، فقد استمرت هذه العداوة بين جنود إبليس، والمؤمنين وتستمر إلى يوم الوقت المعلوم، ويستمر معها استكبار الشياطين وتعاليهم على الحق، وعلى أوامر الله، ولأجل هذه الاستمرارية في العداوة فقد نبه القرآن الكريم عليها في كثير من آياته، وحذر أتباع الحق من أصحابها تحذيرًا متكررًا شديدًا، وقد بيّن الطبري معنى هذه العداوة وسببها حيث قال:"فإن قال قائل: وما كانت عداوة ما بين آدم وزوجته، وإبليس والحية؟ قيل أما عداوة آدمَ وذريته، فحسده إياه، واستكباره عن طاعة الله في السجود له حين قال لربه: {أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ} [6] ، وأما عداوة آدم وذريته إبليسَ، فعداوة المؤمنين إياه لكفره بالله وعصيانه لربه في تكبره عليه ومخالفته أمره، وذلك من آدم ومؤمني ذريته إيمانًا بالله. وأما عداوة إبليس أدمَ، فكفر بالله" [7] .

وسنجلّي تناول القرآن الكريم لهذه القضية على النحو التالي:

أولًا: بيان شدة تلك العداوة والتحذير منها:

وقع بيان شدّة عداوة الشيطان للحق وأتباعه في كثير من آي الفرقان، يقول تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلالًا طَيِّبًا وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ} [8] ،"وقوله: (إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ) : تنفير عنه وتحذير منه" [9] ، يقول صاحب الظلال مبينًا سبب تحذير الله من الشيطان:"وهنا يبيح الله للناس جميعًا أن يأكلوا مما رزقهم في الأرض حلالًا طيبًا - إلا ما شرع لهم حرمته وهو مبين فيما بعد - وأن يتلقوا منه هو الأمر في الحل والحرمة وألا يتبعوا الشيطان في شيء من هذا، لأنه عدوهم، ومن ثمّ فهو لا يأمرهم بخير،"

(1) - جامع البيان - للطبري - م 5 - ج 8 - ص 168.

(2) - سورة الإسراء، الآيتان 62، 63.

(3) - تيسير الكريم الرحمن - للسعدي - ص 493.

(4) - سورة ص، الآية 76.

(5) - تفسير القرآن العظيم - لابن كثير - ج 9 - ص 38، 39.

(6) - سورة ص، الآية 76.

(7) - جامع البيان - للطبري - م 1 - ج 1 - ص 316.

(8) - سورة البقرة، الآية 168.

(9) - تفسير القرآن العظيم - لابن كثير - ج 2 - ص 145.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت