نعم، أولئك هم اليهود، وهذا هو ديدنهم في كل زمان ومكان، وهذا هو دأب المنفاقين أعوانهم، فهذه النجوى بالإثم هي التي تثير الضعف في قلوب أفراد المجتمع المسلم، وقد ورد في سبب نزول هذه الآية قصة أخرى تتعلق بالمنافقين، أتباع اليهود، وهي في نفس معنى القصة الأولى، وقد تجتمعان في سبب النزول تحت باب تعدد السبب والنازل واحد، فقد أخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال:"كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا بعث سرية وأغزاها التقى المنافقون فأنغضوا رؤوسهم إلى المسلمين، ويقولون: قُتل القوم، وإذا رأوا الرسول - صلى الله عليه وسلم - تناجوا وأظهروا الحزن، فبلغ ذلك من النبي - صلى الله عليه وسلم - ومن المسلمين، فأنزل الله الآية" [1]
وقد حذر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من هذا الإثم، ونهى عن التناجي بين اثنين في حضور مؤمن ثالث، كي لا يأخذ هذا الأمر من نفسه مأخذًا، وقد احترز رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في نهيه فصرف كل شكٍ، فنهى عن مطلق التناجي بين اثنين في حضور صاحب ثالث لهم يقول - صلى الله عليه وسلم:"إذا كنتم ثلاثة فلا يتناجى رجلان دون الآخر حتى تختلطوا بالناس أجل أن يحزنه" [2] ، ويبيُّن لنا البخاري في ترجمة هذا الحديث أن التناجي يجوز في حال كان العدد أكثر من ثلاثة، لأن الأمر يصبح فيه بحبوحة أن يتكلم كل واحد مع أخٍ له، أما النهي فيقع على ترك واحد دون الجميع فيكون لقمة سائغة للشيطان يلقي في قلبه الوساوس السيئة.
وقد طمأن الحق سبحانه المؤمنين بأن هذه النجوى التي تقع من اليهود والمنافقين والظالمين في كل مكان لن تضرّهم شيئًا إلا بإذنه سبحانه، وقد عقب تعالى على كون النجوى من الشيطان بأنها لا تضرّهم شيئًا ليطمئن المؤمنين بأن
(1) - الدر المنثور - للسيوطي - ج 8 - ص 82.
(2) - موسوعة الحديث الشريف - الكتب الستة - صحيح البخاري - كتاب الاستئذان - باب: إذا كانوا أكثر من ثلاثة فلا بأس في المسارة والتناجي - ح 6290 - ص 530.