توليه بأنه يسعى في ضرّ أوليائه وحزبه، فيدعهم إلى ما يوقعهم في السعير، وهذا يؤكد الأمر باتخاذه عدوًا لأن أشد الناس تضررًا به هم حزبه وأولياؤه" [1] ."
وفي الختام نلاحظ شدة هذه العداوة ووضوحها لمن استنار قلبه بآيات الله، إنسًا كان أو جنًا، وأود في هذا السياق أن أؤكد على الحقيقة التي بينتها في مطلع هذا البحث، وهي أن الشيطان يكون من الإنس كما يكون من الجن، وأن أعداءه أيضًا هم من المؤمنين من الإنس والجن، وإنما أعدتُ هذه الحقيقة هنا لما لاحظته عدم وضوح مفهومها في كتابات كثير من المفسرين، فهم حين يتحدثون عن الشيطان يذكرون الإنسان في المقابل، وكأن أعداء الشيطان أو أولياءه لا يكونون إلا من الإنس، ولكي تتجلى لنا هذه الملاحظة نسوق بعض الجمل من كتب المفسرين الدالة على عدم الوضوح هذا:
-يقول الطبري:"إن الشيطان الذي نهيتكم أيها الناس أن تغتروا بغروره إياكم بالله لكم عدو فاتخذوه عدوًا ..." [2] .
-يقول الزمخشري:"أخبرنا الله عز وجل أن الشيطان لنا عدو مبين واقتص لنا قصته وما فعل بأبينا آدم عليه السلام ..." [3] .
-يقول ابن عاشور:"والمقصود من حكاية هذا القول هنا تذكير الأمة بعداوة الشيطان لأصل نوع البشر فيعلموا أنها عداوة بين النوعين ..." [4] .
-يقول سيد قطب:"... لا من إيحاء الشيطان الذي لا يوحي بخير لأنه عدوٌ للناس بَيِّن العداوة ..." [5] .
-والحق أننا نلتمس العذر لعلمائنا الأجلاء في نحوهم هذا النحو في التعبير، إذ إن أكثر خطاب القرآن موجه للبشر، وإن كانت عمومة رسالة هذا الدين للثقلين، ولكن لأن النبوة كانت في الإنس - على الرأي الأرجح - فقد تركز الخطاب
(1) - التحرير والتنوير - لابن عاشور - ج 22 - ص 260، 261.
(2) - جامع البيان - للطبري - م 12 - ج 22 - ص 142.
(3) - الكشاف - للزمخشري - ج 3 - ص 269.
(4) - التحرير والتنوير - لابن عاشور - ج 8 - ص 67.
(5) - في ظلال القرآن - لسيد قطب - ج 1 - ص 155.