آية الأنعام بكلمة (عدوًا من المجرمين) ، أما التبيّين فلأنها وصفت شياطين الإنس والجن بأنهم (مجرمين) .
وقد احتدم الصراع بين الشياطين والأنبياء، وبلغ أشده على مر عصور الأنبياء، ولقد بلغ من الشدة أن استطاعت شياطين الجن - وهي تأخذ دورها الخطير إلى جانب شياطين الإنس - أن تلبِّس على الأنبياء بعض الوحي لفترة عارضة، ولكن الله الذي تكفل بحفظ وحيه يزيل هذا الالتباس، ويدحر الشيطان، ويبين الحقيقة للمؤمنين، أما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون الباطل، ويستهويهم ما قال الشيطان، ولقد بين الحق سبحانه وتعالى هذا الأمر في قوله: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} [1] .
وقد نسجت شياطين الإنس بوحي من أسيادهم أكاذيب كثيرة على ذلك الإلقاء، ومن تلك الأكاذيب قصة الغرانيق التي وردت في كثير من كتب التفسير ومؤداها أن الشيطان ألقى في قراءة النبي - صلى الله عليه وسلم - كلمات ليست من وحي الله لما كان الرسول - صلى الله عليه وسلم - يتلو مطلع سورة النجم على المشركين في مكة، فلما وصل قوله تعالى: {أَفَرَأَيْتُمُ اللاتَ وَالْعُزَّى * وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرَى} [2] فقال الشيطان بعدها (وتلك الغرانيق العلا، وإن شفاعتهن لترتجى) فسمع المشركون هذا المدح لآلهتهم ففرحوا وانصرفوا.
تلك القصة الباطلة التي نشرها شياطين الإنس لم تكن لتجد طريقًا عند المحققين من علماء المسلمين، فردوا عليها من طرق نقلية وعقلية يحسن بنا أن نسوق بعضها لنرى كيف احتدم الصراع الفكري بين شياطين الإنس وعلماء الحق:
1 -رد الرازي على قصة الغرانيق:"أما أهل التحقيق فقد قالوا: إن هذه الرواية باطلة موضوعة واحتجوا عليها بالقرآن والسنة والمعقول. أما القرآن فوجه إحداها"
(1) - سورة الحج، الآية 52.
(2) - سورة النجم، الآيتان، 19، 20.