فهرس الكتاب

الصفحة 291 من 318

وأما الشبهة الرابعة فهي حصرهم دلالة كلمة"درهم"وكلمة"دينار"على النقد المتعامل به مسكوكًا أو موزونًا من الذهب والفضة على التوالي.

ألبس عليهم ذلك أن التعامل الأغلب في العهد النبوي وما بعده من أيام الصحابة والتابعين وفترتي الازدهار الاقتصادي من العهدين الأموي والعباسي كان بالذهب والفضة، وما كان منه بالنحاس"الفلوس"كان نادرًا وزهيدًا لا يكون قيمة جديرة بالاعتبار في حياتهم المالية، فخيل إليهم أن كلمتي"درهم"و"دينار"تنحصر دلالتهما على ما كان من النقد ذهبًا أو فضة ولم يصب هذا اللبس متفقهة المقلدين من المشبوهين أو المشتبه عليهم في عصرنا فحسب، وإنما التقطوه من كلام عامة المفسرين والفقهاء الذين غلب عليهم اعتبار المتعارف من لغة التعامل في العصر الإسلامي الأول فاعتمدوه كما لو كان هو المعنى الوحيد لكلمتي"الدرهم: و"الدينار " وساقهم الوهم إلى تفسير الآيتين الكريمتين قوله تعالى في سورة آل عمران، الآية 75: {وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ} الآية وقوله تعالى في سورة يوسف، الآية 20: {وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ} بأن المقصود بكلمة"دينار"وكلمة " دراهم " العملة الذهبية والعملة الفضية ولو أنهم تأملوا قليلًا لاستبانوا أن المقصود بكلمة دينار في آية سورة آل عمران هو المقدار من الوزن وليس نوع العملة بدليل قوله تعالى في نفس الآية {وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ} فجاءت كلمة"دينار"تعبيرًا عن الحد الأدنى من الوزن مقابل كلمة " قنطار"المعبر عن الحد الأعلى، وليس المراد مقدارًا من الوزن معين في الحدين وإنما المراد بيان أنهم يخونون الأمانة سواء كانت كثيرًا أو قليلًا، أما في آية سورة يوسف فكلمة"دراهم"تعني عملة لكن ليست فضية بالضرورة، بل الظروف التاريخية ترجح أنها ليست فضية وتتبين هذه الظروف من قول محمد الطاهر بن عاشور في (التحرير والتنوير: 12/ 205، 206) ."

والتقطته سيارة من العرب الإسماعيليين كانوا سائرين في طريقهم إلى مصر وباعوه كرقيق في سوق عاصمة مصر السفلى التي كانت يؤمنذ في حكم أمة من الكنديين يعرفون بالعمالقة أو (الهكصوص) ، وذلك في زمن الملك (أبو قيس) أو (أبيبي) ويقرب أن يكون ذلك في حدود سنة تسع وعشرين وسبعمائة وألف قبل المسيح - عليه السلام - فاشتراه (فوطيفار) رئيس شرطة فرعون الملقب في القرآن بالعزيز أو رئيس المدينة.

ثم قال:

وفي مدة حكمه - يعني يوسف - جلب أباه وأقاربه من البرية إلى أرض مصر، وتوفي بمصر في حدود سنة خمس وثلاثين وستمائة وألف قبل ميلاد عيسى - عليه السلام -.

وإنما اعتمدنا كلام ابن عاشور هذا؛ لأن من عادته - رحمه الله - في مثل هذه الشئون الرجوع إلى العهد القديم أو العقد الجديد أو الأسفار الملحقة بهما وعدم اعتماد كلام الأخباريين وذلك ما يجعل ما يقرره فيها أوثق مما قرره غيره من جميع المفسرين بدون استثناء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت