فهرس الكتاب

الصفحة 228 من 318

الناس ليس لها حد تقف عنده بنفسها (أي فلا بد لها من الوازع الذي يوقفها بإقناع أو بالإلزام) لذلك حرم الله الربا وهو لا يشرع للناس الأحكام بحسب أهوائهم وشهواتهم كأصحاب القوانين ولكن بحسب المصلحة الحقيقية العامة الشاملة. وأما واضعو القوانين فإنهم يضعون للناس الأحكام بحسب حالهم الحاضرة التي يرونها موافقة لما يسمونه الرأي العام من غير نظر في عواقبها ولا في أثرها في تربية الفضائل والبعد عن الرذائل وإننا نرى البلاد التي أحلت في قوانينها الربا قد عفت فيها رسوم الدين وقل فيها التعاطف والتراحم وحلت القسوة محل الرحمة حتى أن الفقير فيها يموت جوعًا فلا يجد من يجود عليه بما يسد رمقه فمنيت من جراء ذلك بمصائب أعظمها ما يسمونه المسألة الاجتماعية وهي مسألة تألب الفعلة والعمال على أصحاب الأموال واعتصابهم المرة بعد المرة لترك العمل وتعطيل المعامل والمصانع؛ لأن أصحابها لا يقدرون عملهم قدره بل يعطونهم أقل مما يستحقون وهم يتوقعون من عاقبة ذلك انقلابًا كبيرًا في العالم، ولذلك قام كثير من فلاسفتهم وعلمائهم يكتبون الرسائل والأسفار في تلافي هذه المسألة، وقد صرح كثير منهم بأنه لا علاج لهذا الداء إلا رجوع الناس إلى ما دعاهم إليه الدين.

وقد ألف تولستوي الفيلسوف الروسي كتابًا سماه (ما العمل؟) وفيه أمور يضطرب لفظاعتها القارئ، وقد قال آخره: إن أوروبا نجحت في تحرير الناس من الرق ولكنها غفلت عن رفع نير الدينار (الجنيه) من أعناق الناس الذين ربما استعبدهم المال يومًا ما.

قال الأستاذ - رحمه الله تعالى: وهذه بلادنا قد ضعف فيها التعاطف والتراحم وقل الإسعاد والتعاون منذ فشا فيها الربا، وإنني لأعي وأدرك ما مر بي منذ أربعين سنة كنت أرى الرجل يطلب من الآخر قرضًا فيأخذه صاحب المال إلى بيته ويوصد الباب عليه معه ويعطيه من طلب بعد أن يستوثق منه باليمين أنه لا يحدث الناس بأنه اقترض منه؛ لأنه يستحي أن يكون في نظرهم متفضلًا عليه قال: رأيت هذا من كثيرين في بلاد متعدد ورأيت من وفاء من يقترض أنه يغني المقرض على المطالبة بله المحاكمة ثم بعد خمسة وعشرين سنة رأيت بعض هؤلاء المحسنين لا يعطي ولده رضًا طلبه إلا بسند وشهود، فسألته: أما أنت الذي كنت تعطي الغرباء ما يطلبون والباب مقفل وتقسم عليهم أو تحلفهم أن لا يذكروا وذلك؟ قال: نعم قلت: فما بالك تستوثق من ولدك ولا تأمنه على مالك إلا بسند وشهود وما عملت عليه من سوء؟ قال: لا أعرف سبب ذلك إنني لا أجد الثقة التي كنت أعرفها في نفسي.

ثم قال رشيد رضا: من تدبر ما قاله الإمامان - يعني محمد عبده والغزالي الذي استمد منه محمد

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت